العرب لا يقرؤون

تساءل إدغار شويري، عالم الفيزياء في جامعة برينستون الأمريكية: كيف يمكن للعرب أن يصيروا شركاء كاملين ومتساوين مع أولئك الذين يرسمون اقتصاد العالم وأمنه ومستقبله، إذا بقوا مجرد مستهلكين للعلوم والتكنولوجيا لا منتجين لها؟ وردّ على الذين يتبجحون بالمساهمات الكبيرة التي قدمتها الحضارات العربية القديمة للعلوم الفيزيائية والإحيائية والرياضيات والفلك، بأن ذلك يعود إلى تاريخ قديم عفا عليه الزمن، (والواقع أنه منذ القرن الثاني عشر، ومع هيمنة الفكر المناهض للعلم والعقل، بدأ الإرث العربي العلمي بالانهيار، حتى صار اليوم في وضع محزن للغاية). وأشار شويري إلى أن في العديد من مناطق العالم العربي اليوم (هناك تقدير للمنجمين أكثر من علماء الفلك)، محذراً من الوقوع في وهم ارتفاع عدد مستخدمي وسائل التواصل الحديثة، لأن لا فائدة من استخدام الإنترنت والتكنولوجيا لنشر أفكار العصور الوسطى.

كان إدغار شويري، اللبناني الأصل وعالم هندسة الفيزياء الفضائية، يتحدث في حفل تكريمه الذي أقامته الجامعة الأمريكية اللبنانية لمناسبة افتتاح فرع لها في نيويورك. العرب فعلاً يهتمون بالمنجمين من نجوم الشاشات، أمثال ميشال حايك وحسن الشارني ونجلاء قباني وليلى عبد اللطيف، الذين يبيعونهم الأمنيات والأوهام، أكثر من اهتمامهم بعلماء فلك حقيقيين، مثل المصري فاروق الباز، ومواطنته وداد عبدو، والعراقي حميد النعيمي، والسورية شادية الحبّال، واللبناني إدغار شويري. وقد لاحظ عبد الهادي النجار في مقالة نشرتها (البيئة والتنمية) بعنوان (الفلك من خرافة التنجيم إلى علوم الفضاء)، أن معظم هؤلاء العلماء المرموقين تسبق اسمهم صفة (الأمريكي من أصل عربي). فكأنه لا مكان من المحيط إلى الخليج يتسع للمبدعين.

الحقائق موجعة. خلال عشرين سنة صدرت 370 براءة اختراع لباحثين في الدول العربية، في مقابل 16 ألف براءة اختراع لكوريا الجنوبية، التي يبلغ عدد سكانها عُشر عدد سكان العالم العربي. وفي حين تجاوز عدد الهواتف المحمولة في العالم العربي 400 مليون، لا يتجاوز عدد الذين يقرؤون كتاباً واحداً في السنة، عدا الكتب المدرسية، العشرين مليوناً، أي خمسة في المئة من العرب. وقد كتب الشاعر يوسف الخال بحسرة وألم منذ خمسين عاماً أن (العرب لا يقرؤون، وإذا قرؤوا لا يفهمون…)!وفق تقرير التنمية الثقافية، الذي تصدره مؤسسة الفكر العربي، يبلغ معدل قراءة الكتب للمواطن العربي 6 دقائق سنوياً، في مقابل 200 ساعة في الغرب. وفي حين يقرأ كل 20 عربياً كتاباً واحداً في السنة، يبلغ معدل قراءة الأمريكي 11 كتاباً، والبريطاني 7 كتب. أي أن كل أمريكي يساوي 220 عربياً، وكل بريطاني يساوي 140 عربياً، قياساً بقراءة الكتب. قد يردّ البعض بأننا في عصر الإنترنت، ففيه توقف الناس عن قراءة الكتب المطبوعة. لكن أرقام تنزيل الكتب عبر الإنترنت في العالم العربي غير مشجّعة على الإطلاق، حتى تكاد تكون معدومة. ويكفي إلقاء نظرة سريعة على النقاشات العربية، عبر المدونات ووسائل التواصل الاجتماعي، لنكتشف ضحالة المواضيع التي يهتم بها معظم جمهور مستخدمي الشبكة الإلكترونية.

أين العرب من عصر جديد يحكمه العلم؟ ماذا فعلوا لمجابهة تحديات تأمين المياه العذبة وإنتاج الغذاء والطاقة المتجددة؟ وماذا أنجز العلماء والباحثون العرب داخل العالم العربي ولفائدة شعوبه؟ المؤسف أن الممارسة السائدة ما زالت تقوم على استيراد التكنولوجيات والآلات، مع الفنيين لتشغيلها وصيانتها. وإذا كان ممكناً استيراد البطاطا، فلا يمكن استيراد العلم، لأن هذا لا يؤدي إلا إلى تعميم البلادة الفكرية والعقم العقلي. كما أن تعلُّم كتابة لائحة العقاقير لا يكفي لصناعة طبيب، فلقب (دكتور) لا يصنع عالماً. ذلك أن العلم الذي لا يساهم في دفع البشرية إلى الأمام هو علم لا ينفع، ويتساوى في ذلك مع الجهل الذي لا يضرّ. أما الأدهى فما يكشفه العدد الأخير من مجلة (البيئة والتنمية) من فضيحة مدوّية عن آلاف العرب الذين استحصلوا على شهادات مزيفة من جامعات وهمية، تمنح لقب دكتور لقاء مئة دولار. لن نتقدم في العلم ولا في الفن والأدب ما لم نتحرر من عقدة الألقاب ونتحول من الاهتمام بالعلاقات العامة إلى العمل الجدي في الإبداع والاستكشاف.

عن (الحياة)

العدد 1194 - 15/04/2026