المقاتل… قتال النجاح أم المصالح…؟
عندما تتعثر الأحلام، أثناء عدوها اللاهث….
عندما تبدأ بمصارعة مخاوفك وهواجسك،…والرياحُ عاتية تدفع بأمانيك وأحلامك للأمام تارة وللخلف تارات، أتريثت قليلاً لترى من حولك..؟، لتتأمل قليلاً بنفسك، وتدرك أنك أنت الحُلُم، وأنك بحاجة إلى من هم حولك لتعيشه، فربما نجاحك يعتمد على من يساندك…
وهل ستتوه عندما تنال منك هزيمة ما رغم أن الجميع يساندونك، وأنفسهم..؟
وهل أنت باقٍ على عهدك معهم، بعد هزيمتك، مع أنهم يقاتلون لأجلك..؟ أم تراهم يقاتلون لأنفسهم…؟.
في واحد من أنجح أفلام المثابرة، عن عائلة متكافلة تسعى وراء مصلحتها، عن شابين أخوين ملاكمين يهزهما الماضي، كما النجاح والألم، عن شابٍ في الثالثة والعشرين من عمره، ميكي (مارك ووبرج) في أفضل ما أدى على الشاشة الكبيرة حتى هذا الفيلم، وبعد أن لاقى الشهرة في (القناص)،و (ماكس بين)، يحاول أن يثبت نفسه على حلبة الملاكمة، رغم صراعه وعائلته حول إدارة تحركاته ومبارياته على حلبة الحياة، يلتمس المشاهد خطاً أخلاقياً غاية في الأداء والإتقان والخطاب بالرغم من قسوة الجو العام للعمل، لا من حيث المضمون العام للفيلم، بل من خلال علاقته أيضاً مع أخيه ديكي (كريستيان بيل)، في دور رائع لم يتفوق فيه على نفسه فقط، بل أيضاً استحضر رونقاً خاصاً جداً أضافه إلى الشخصية الحقيقية، يخطف اهتمام المشاهد من البداية، ولم يكن غريباً بل متوقعاً بشدة نيله الأوسكار وبجدارة، بعد ترشحه لها عن أفضل ممثل مساعد، ولم يكتفِ بإنقاص وزنه ليتناسب ومصداقية الدور، لكنه أضاف لمسيرته دوراً متقمصاً جديداً، يختلف عن كل ما لعبه، بعد أن شاهدناه في واحد من أقوى وأفضل أفلام السينما (الرجل الوطواط) مع المخرج العبقري (كريستوفر نولان). علاقة الأخوّة تلك تُمتحن، عبر عدة هزّات عنيفةٌ للغاية، إحداها دخول ديكي السجن بعد مشاجرةٍ قاسية مع رجال الشرطة، أثناء محاولته النصب لتأمين المال الكافي لتدريبات أخيه، وأثناء الشجار يتعرض ميكي لضربٍ عنيفٍ من الشرطة على يديه مما يؤدي لكسر أصابعه، زوّادة مهنته، في واحدٍ من أقوى وأقسى مشاهد الفيلم….، وثانية، تلك التي يعاني منها ديكي، كما يرينا الفيلم من البداية، فهو المدمن على المخدرات بعد أن كان واحداً من أشهر ملاكمي أمريكا، بعد تغلبه على واحد من أقوى الملاكمين في أمريكا عام ،1978 حياته مترنحة بين ماضيه المتألق وما يحلم به لأخيه ولنفسه أن يكون، وهو من أخذ على كاهله مهمة تدريبه وتأهيله، والدته (ميليسا ليو) حاصدة الأوسكار عن فئة أفضل ممثلة مساعدة عن هذا الدور وبنجاح هائل، إذ تقمصت دور الأم القوية التي تكاد تكون رجلاً في إدارتها لشؤون العائلة الكبيرة، ومباريات ابنها ميكي، كما لو أنها تستغله، في حين تولي ابنها الثاني ديكي، اهتمامها الأمومي وتعاطفها، مما يثير امتعاض ميكي بقهرٍ دفين في صدره، ليبحث عن طوق النجاة من تحكمها وقبضتها القاسية عند تشارلين فتاة البار (إيمي آدمز)، لتشدّ من أزره وتأخذ بيده في مواجهة تسلّط العائلة، في أداءٍ رائعٍ ومفاجئ، رشّحها لأوسكار أفضل ممثلة مساعدة، وهذه المرّة في هيئة مختلفة كليّةً عن أدوارها السابقة، كما في فيلم (الشك) إلى جانب ميريل ستريب،حيث ترشحت للأوسكار أيضاً، وهنا أثبتت قدرتها على الإقناع والتأثير في المشاهد خلافاً لما كان يعتقد أن نعومتها تمنعها من تأدية أدوار مختلفة، وخصوصاً أن الدور يتطلب فتاةً قويةً وشرسةً من الداخل والخارج، وذلك ما انعكس بطريقة مميزة على الشاشة، نجاحاً لها و للمخرج (ديفيد أو راسل) الذي استفز في ممثليه أفضل ما لديهم، إذ ترشح هو الآخر لأوسكار أفضل مخرج، فضلاً عن ترشح الفيلم ضمن فئة أفضل فيلم أيضاً، فقد تعامل مع الفيلم بطريقة تكاد تكون أقرب إلى التوثيق والتسجيل، فالكثير من المشاهد بدت كما لو أنها ملاحقة من كاميرا محمولة على الكتف، وخصوصاً أنه مع بداية الفيلم نرى كاميرا محمولة تلاحق ديكي، لتصوير فيلم وثائقي عنه لا كملاكم بل كمدمن، ويعرض على إحدى المحطات أثناء تمضيته فترة عقوبته، الأمر الذي يساعده على التمعن في ذاته و ترويضها والفرار من دوامة الإخفاق والإدمان. الفيلم جدير بالمشاهدة، لا لأن أحداثه حقيقية جرت في أمريكا في عام ،1993 راصداً بزوغ نجم بطل العالم في الملاكمة للوزن المتوسط، إذ ينتهي الفيلم بمشهد فوزه وبداية مشواره الناجح لحين اعتزاله عام ،2003 بل لأن المتعة في مشاهدة أداء الطاقم الرائع، لا تقل أهمية عن ما قد يحمله الفيلم من رسائل غاية في الأهمية بين طياته، علماً أن النجاح رغم اعتماده كليّةً عليك، إلا أنه في أحايين كثيرة، يعتمد على الحب والدعم ممن يحيطون بك، كي تستطيع تذوق طعمه، وأيضاً جني ثماره.