المسرح ومسؤولية توسيع فضاء الحرية
قراءة في تجربة آداموف وأسلوبه في الكتابة
الكتابة للمسرح تحدٍّ صعب، ومغامرة يخشى العديد من المبدعين خوض غمارها، لأن النص المسرحي لن يكون بين يدي القراء مثل سائر الأعمال الإبداعية، بل سيكون بين أيدي المخرجين والممثلين ومديري المسارح والنقاد من جهة، وسيكون موضع تحليل وتأويل واجتهاد ونقاش متواصل قبل تقديمه للعرض على الخشبة وبعده، ويحس الكاتب المسرحي أنه معني بتجريب وسائل أسلوبية جديدة تجذب اهتمام مجتمع متغير، ومتفرجين لهم ذائقة متطلبة من جهة ثانية.
آرتو آداموف، مسرحي فرنسي من أصل روسي، هاجرت أسرته قبيل الثورة البلشفية إلى باريس، وغدا من كتاب المسرح البارزين بعد الحرب العالمية الثانية، ومن أشد منتقدي الحروب والغزو والقمع، وقد عاصر بول إيلوار ولويس أراغون وأندريه بروتون، واهتم بالتجريب وتجاوز الأشكال المسرحية المتداولة في زمنه، وغدا أحد رواد مسرح الحداثة والعبث واللامعقول إلى جاةب بيكيت ويونيسكو، وتسمية (مسرح العبث) ملتبسة، وهي برأيه لا تعني التجريب أو الفوضوية، وإنما هي شكل مسرحي جديد فرضته تغيرات جذرية في بنية المجتمع من جهة، وحاجة الآداب والفنون للبحث عن صيغ تعبير جديدة، والاستفادة من فلسفات وافدة أثبتت المواقف صحتها من جهة ثانية.
أي أنه نتاج نوعي مباشر لفاعليات فكرية وفنية واجتماعية، وهو يعني التجرؤ على اختيار موضوعات جديدة غير مسبوقة.
وقد شغل آداموف النقاد، وتأخر المتفرجون في فهم مسرحه، وقال عنه الناقد المسرحي الفرنسي جان جاك ليران: التساؤلات التي طرحها آداموف ظلت دون أجوبة، كما لو أن الشخصية لا تنصت إلا لذاتها، أي أنها صدى عبث الكلمات والوحدة والعجز والضياع.
أبرز مسرحيات آداموف: الغزو المحاكاة الساخرة السيد المعتدل ربيع 71 (حول كومونة باريس) لعبة كرة الطاولة باولو باولي خارج الحدود (حول حرب فيتنام).
وله كتاب مذكرات عنوانه (الرجل والطفل)، يعد مفتاحاً لدراسة عالمه الشخصي ومشروعه المسرحي.
مسرحية الغزو في أربعة فصول، شخصياتها الأم وابنتها إينيس، وبيار ضارب آلة كاتبة، وتراديل معاونه، وشخص غريب، وشخصيات ثانوية.
يعكف بيار وإينيس على نسخ أوراق أشبه بمذكرات لها أهمية خاصة لجان صديق إينيس المتوفى، ويجد الاثنان بيار وإينيس صعوبة في تحديد بعض المفردات التي سقطت سهواً، أو المفردات الغامضة.
ويستعين بيار بتراديل، الذي يلجأ إلى ابتداع مفردات يراها قريبة من المعنى، لكن بيار وغينيس يخالفانه ويحتجان على تصرفه، ويعمل الجميع تحت ضغط الوقت، ويحاول تراديل التنصل من المهمة، فيأخذها بيار على عاتقه، لأن الأوراق ستنتزع منهم من جانب ورثة المتوفى. أو من جانب الجنود المتوقع أن يداهموا المنزل في أية لحظة.
يدخل قادم غريب، ويحاول استمالة اهتمام إينيس، بينما يعتكف بيار في غرفة جانبية محبطاً، ويلزم الصمت مدة خمسة عشر يوماً، فترحل إينيس مع الغريب، وتحمل معها دفتر صديقها الذي وعدته ألا تتركه.
صديقة الأم وجارتها تسألها عن بيار وعن إينيس، لكن الأم تتهرب من ذكر التفاصيل. ويظهر بيار أثناء الحديث، ويرى التغير في المنزل: رحيل إينيس، وصمت الآلة الكاتبة، وقلق الأم، فيندفع لتمزيق الأوراق، وتحضر إينيس فجأة، وتخبر الحاضرين أن زوجها مريض، وهي عادت لاستعارة الآلة الكاتبة شبه المعطلة، ثم يظهر تراديل، ويفاجأ بكومة الأوراق الممزقة التي تخلص منها بيار، فيحتج على تصرفه، ويبدأ طفله العبث بمزق الأوراق، وحين تشده الأم كي يلحقا بتراديل الراحل لا يتجاوب بسرعة، ويسحب معه بعض مزق الأوراق.
وتحيط الصديقة الأم بذراعيها في حركة مواساة تظاهرية، وتقول بصوت منافق: أعرف ما يعنيه كل ذلك.
شخصيات غريبة الأطوار، تجد حولها معارف، لكنها تفتقد من يتفهم معاناتها وحاجاتها، أو من يقدم لها مساعدة حقيقية، وأناس ضائعون وخائفون ومهمشون، إنها أوربا بعد الحرب العالمية الثانية، خرجت مدمرة ومفككة، ومناخات يخيم علهيا التوجس والرعب، وتكثر العبارات المفتوحة على أسئلة كثيرة، والأسئلة التي لا تشبه الأسئلة، فما دلالة هذه القتامة؟ أهو ثقل الوقوع تحت وطأة التهديد وفقدان أشياء عزيزة؟ أو الإحساس بخطورة الاحتفاظ بمعلومات مهمة؟ أم هو الضياع بسبب التشتت الناتج عن فقدان الاستقلالية؟ أم بسبب أوضاع عبثية لا تبقي للمرء أي فرصة للاحتفاظ بما يحتاج إليه، أو بمن يحبه؟
استخدم آداموف لغة مكثفة، واهتم بتعتيم الجوانب الواقعية في شخصياته إلى حد الإيغال في الغموض، واختار لوحات لا يساعد بعضها على تطوير الفعل المسرحي، وقصد الإدهاش إلى حد صدم المتفرج، ووظف التهريج والسخرية والعبث المقصود في محاولاته استقراء درب الأدب في فهم حركة التاريخ بصورة مختلفة، ووجه نقداً لاذعاً للبورجوازية المنحلّة وهو المتحدر منها لأنها بأنانيتها وتسلطها ومراوغاتها تمسخ كل شيء، وتسلّعه، وتسحق أحلام البشر.
قدم أرتور آداموف شهادة على مجتمع محطم، لا يختلف كثيراً عن كومة الأوراق الممزقة، التي كانت قبل تمزيقها تعني الكثير بما تتضمنه من معطيات ووقائع، لكنها تحولت بعد تصرف بيار الانفعالي إلى كومة لا نفع منها!
والمسرحية إدانة للحرب وتركتها الثقيلة، وصرخة احتجاج ضد التدمير المنهجي للعمران والنفوس والذكريات. وهي محاولة لفتح ثغرة في جدار العداوات العبثية، وسؤال واخز يضع الجميع أمام مسؤولية أن نسأل بجرأة: ما الذي أوصلنا إلى هذا الجنون؟