تصنيف تعسفي ما بين العلمي والأدبي
تُثير الإحصائيات البالغة حدَّ اللامساواة بين مُختاري الفروع العلمية والأدبية، تُثير تساؤلات جدية حول هذا الارتفاع المُلاحظ في أفضلية الفروع العلمية الثانوية والجامعية على مقابلها من الفروع الأدبية.
فمنذ المراحل الدراسية الأولى، غالباً ما يحدث التبرؤ من الاختصاصات الأخرى الخارجة عن نطاق المعتاد (كالصيدلة، والطب، والهندسة…الخ) إلى أن باتت المسألة عبارة عن توجه مصيري أعمى، استثمر المألوف عوضاً عن الاكتشاف.
فالطفل إذا ما سُئل عن حلمه المستقبلي ردد ما اعتاد سماعه، في أنه الأرقى والأعلى مكانةً، ولعله أمرٌ جميل من طفل يضع الاحتمال الأعلى (حسب ما قيل لهُ) نصب عينيه.
لكن.. لماذا قيل له إن الفروع العلمية (طب وصيدلة…) هي الاختيار الأوحد للرقي والمكانة المرموقة مجتمعياً ومهنياً؟!
هذا ما يلقي الأمر على عاتق المجتمع والأفراد أصحاب الدخل المحدود والتحصيل العلمي القليل، الراغبين لأبنائهم مكانة علمية علت درجاتها بسبب العاملين على تضخيم بعض الاختصاصات- والعلمية تحديداً- على الاختصاصات الأخرى، التي قد لا تقلُّ أهمية عنها.
فما الذي حصل لمضامين هذا الفرع المعرفي المهم (الأدبي) واختصاصاته؟
حقيقة الأمر تكمن في المرحلة الثانوية، حين كان الفارق الوحيد بين الفرع العلمي والأدبي هو أن العلمي يتيح خيارات أوسع للطالب في الجامعة (من طب وفيزياء..الخ)، أو أن يذهب إلى الاختصاصات المتاحة للطالب الأدبي مثل (تاريخ، فلسفة، لغة..)
ولم يكن الذهاب إلى الأدبي يعني أن الطالب عديم الكفاءة أو أنه خالي الذكاء والمعرفة. لكن تحليل هذا الانحياز الغريب يُحيلنا لقراءة هذه الظاهرة من زاوية الانطباعات الثقافية والعملية على أساس أن أي خيار دراسي لا يتيح للابن أن يكون طبيباً أو مهندساً، هو خيار دوني، أو أن لذلك علاقة بالمردود المادي للاختصاص، إذ ينبغي (نظرياً) أن يكون صاحب أحد هذه الاختصاصات على الطريق السريع للثروة لا محالة. فضلاً عن كون الحال من بعضه، فخريج الهندسة والطب يعاني ما يعانيه خريج التاريخ واللغة…الخ، فيما إن كان الأمر متعلقاً بالوظائف المتاحة أو فرص العمل التي نددت بالبطالة وساهمت بانقراض مُسمَّاه من القاموس اللغوي حتى، أو كان متعلقاً بالوضع المادي الجاعل من الأغلبية تحت مستوى خط الفقر.
فاستكمال تحدي الوضع الراهن لربما يتيح لنا القضاء على هذا التصنيف الجائر بحق الفروع الأدبية والإنسانية، وبحق الشباب الذي لابدّ من تمتعه بحرية تحديد مصيره واختيار اختصاصه وميوله بعيداً عن النظرة المجتمعية وعن نظرة الأهل.