قبل الأزمة وبعدها معاناة السوريين تتفاقم
لم تكن السياسات المتأثرة بالليبرالية الاقتصادية الجديدة في سورية في العقد الماضي، لم تكن- حسب اعتقادنا- تعبّر عن رؤية اقتصادية بحتة فقط، بل كانت نافذة حاولت الإمبريالية العالمية بزعامة الولايات المتحدة النفاذ عبرها إلى تحقيق أغراض سياسية، وهذا ما يمكننا تلمّسه من مراجعة وصايا صندوق النقد والمصرف الدوليين، وخاصة ما تعلق منها بانسحاب الحكومة من الحياة الاقتصادية، ورفع الدعم الحكومي عن أسعار المواد الأساسية، وتشبيك الاقتصاد السوري بحزمة من الشراكات مع الاتحاد الأوربي ومنظمة التجارة العالمية، قبل تمكين قطاعات الإنتاج العامة والخاصة الرئيسية في البلاد، في محاولة لتقليص سيطرة الدولة على القرار الاقتصادي ثم السياسي. إن خلق مناخ اقتصادي واجتماعي يؤدي إلى اتساع غضب الجماهير الكادحة في الدول المعادية للاستعمار، كان هدفاً سعت إليه الإمبريالية الأمريكية، بهدف تقويض الأنظمة السياسية في هذه الدول، واستبدال حكومات موالية بها.
لقد أدت السياسات الاقتصادية النيوليبرالية التي كان النائب الاقتصادي الأسبق أحد أبرز منظّريها..ومنفّذيها الرئيسيين في العقد المنصرم، إلى اتساع الفجوة بين الأثرياء بجميع فئاتهم، من ملّاك عقاريين وأثرياء جدد وبعض الصناعيين الكبار، ووكلاء الشركات الأجنبية، وسماسرة الصفقات الكبرى، من جهة، ومن الجهة الأخرى، الطبقة العاملة والفئات الكادحة الأخرى من المزارعين الصغار، والعاملين في الدولة، والعاملين بجهدهم الفكري. فازدادت أرباح الأثرياء وريوعهم ، وتناقصت الأجور الحقيقية للكادحين، بسبب موجات الغلاء المتتالية على أسعار جميع السلع والخدمات، تماشياً مع طغيان قوانين السوق الحر، ومحاباة الفئات الثرية.
وانسلّت الدولة شيئاً فشيئاً خارج العملية الاقتصادية، وأوقفت تدخّلها في تحديد الأسعار، كما تقلّص الدور الرعائي للحكومة تجاه الفئات الفقيرة، مما ساهم في بروز فئات ازداد ثراؤها من جهة، واتساع بؤر الفقر وامتدادها نحو مناطق جديدة من جهة أخرى، حتى ارتفعت نسبة الفقراء فوق الخط الأعلى للفقر إلى نحو 41% من مجموع السكان.
أما الجانب الآخر لسوء توزيع الدخل فهو انخفاض حصة الرواتب والأجور من الناتج المحلي الإجمالي، إذ بلغت 25% متضمنة العاملين في القطاع الخاص غير المنظم، وذلك وفقاً لمسح قوة العمل الذي أجراه المكتب المركزي للإحصاء عن النصف الأول من عام 2010 وذهبت النسبة العظمى إلى الأرباح والريوع، بينما تصل حصة الأجور من الدخل الوطني في الدول الصناعية المتقدمة إلى56-70%، وفي بعضها تتجاوز 80%.
والحقيقة أن الطواقم الاقتصادية في الحكومات السابقة سوّقت انخفاض أجور السوريين في الداخل والخارج باعتباره إحدى مزايا الاستثمار في سورية، وعندما كانت تضع خططها لتقليص الدعم الحكومي لأسعار السلع الضرورية للفئات الفقيرة والمتوسطة، غالباً ما كانت تلجأ إلى المقارنة بين أسعار هذه المواد في سورية وأسعارها في دول الجوار، لكنها لم تعترف مرة واحدة بالفارق الكبير بين أجور العمال السوريين وأجور العمال في تلك البلدان!
الطبقة العاملة في القطاعين العام والخاص، عانت تقلّص أجورها الحقيقية بعد الارتفاعات المتتالية لأسعار المواد الأساسية والخدمات بنسبة تجاوزت 60%، بين أعوام 2006و2010. ورغم الزيادات التي طرأت على أجور العاملين في القطاع العام، وهم يشكلون نحو ثلث العاملين، والتي بلغت 100%، فإن سياسات الطواقم الاقتصادية، التي شرعت السوق الحر وآلياته، ابتلعت هذه الزيادات، وازدادت الفجوة اتساعاً بين دخل العاملين ومتطلبات حياتهم المعيشية. إضافة إلى ذلك تعرضت الطبقة العاملة وأصحاب الأجور المنخفضة من العمال الزراعيين والمتقاعدين في البلاد إلى ظرفين طارئين متتاليين تسبّبا في تراجع أوضاعهم المعيشية والاجتماعية:
الأول:ما أصاب اقتصادنا من مفاعيل الأزمة الاقتصادية العالمية في خريف 2008 من ركود، نتج عن الانفتاح المتسرع على الاقتصاد العالمي الذي تحركه الإمبريالية الأمريكية وشركاتها المتعددة الجنسيات، والمؤسسات المالية الدولية المرتهنة لإرادتها، فتراجعت الاستثمارات العربية والأجنبية والمحلية، وتقلصت صادرات البلاد، وانخفض عائد الثروة النفطية، وتوقف العديد من المصانع العائدة للقطاع الخاص، مما أدى إلى تضاؤل فرص العمل، وارتفاع نسبة البطالة وتوسع دوائر الفقر. ورغم نفي بعض المسؤولين الاقتصاديين حينذاك خطورة هذه المنعكسات على الاقتصاد السوري، فإن الطبقة العاملة والفئات الفقيرة كانت أكثر حساسية منهم، فهي التي تأثرت..وهي التي دفعت الثمن.
الثاني: تفجّر أزمة سياسية واقتصادية داخلية استغلتها الإمبريالية الأمريكية وحلفاؤها لتصفية حساباتها مع سورية، وساهم المنتفعون في الداخل والخارج في تصعيدها وتحويلها إلى نزاع مسلح بين السوريين، ودخول الاقتصاد السوري نفق الركود بعد حزمة العقوبات الاقتصادية، والحصار الجائر الذي فرضته قوى التحالف الأمريكي الأوربي التركي الخليجي على سورية منذ بداية هذه الأزمة. ففقد عشرات ألوف العمال وظائفهم، وحرق الإرهابيون وهدموا العديد من المنشآت الصناعية الخاصة والعامة، وارتفعت أسعار جميع المواد الأساسية، وتعسّر استئناف التجارة الخارجية، مما أدى إلى عجز الطبقة العاملة والفئات الفقيرة عن توفير مستلزماتها المعيشية.
هذا هو الوضع الحقيقي للفئات الشعبية التي تشكّل أكثرية الشعب السوري، وهي تستقبل بوادر السياسات الحكومية الجديدة التي يأتي في مقدمتها تقليص الدعم الحكومي لأسعار المشتقات النفطية والمواد التموينية الأخرى، وربما إلغاؤه، هذه السياسات التي، وإن جاءت تحت ضغط الأزمة التي تمر بها البلاد، وانخفاض الإيرادات العامة، لكنها في النهاية ستلقي على كاهل هذه الفئات الكادحة الشريفة، عبء هذه الأزمة ومفاعيلها وتبعاتها!
السؤال هنا:من أين سيتدبر الكادحون ما يرفدون به خزينة الحكومة، وهم لايملكون إلاّ قوة سواعدهم وعصارة فكرهم؟ وكيف سيدفعون أسعار مستلزماتهم المعيشية(المعوّمة) إذا ما أُلغي الدعم الحكومي، وانسحبت الدولة من عقد الشراكة مع الجماهير الكادحة؟ هذه الشراكة التي كانت وراء استمرار السياسة الوطنية المعادية للإمبريالية والصهيونية منذ عقود! هل سيصمدون بأجورهم التي قزّمها اقتصاد السوق الحر قبل الأزمة، والتي تقلصت خلال الأزمة بنسبة تفوق 50% ، بسبب الحصار الجائر، وسيطرة المحتكرين.. والسماسرة..وتجار الحروب على الأسواق؟
السؤال هنا ليس عبثياً..بل يشكل حسب اعتقادنا أرضية لإعادة البحث في كيفية استمرار صمود سورية وجيشها الوطني، في وجه تنفيذ المخطط الإمبريالي الصهيوني لإعادة رسم المنطقة العربية وفق المصالح الأمريكية الإسرائيلية. السؤال هنا يتعدى الأثر الاقتصادي الاجتماعي، إذ يتعلق بمصير السياسة الوطنية، بعد كبح الفئات الشعبية.. السند الرئيسي للصمود السوري.
والغريب في الأمر اليوم أن البعض ما زال يروّج، بهذا الشكل أو ذاك، للسياسات الاقتصادية النيوليبرالية التي شكّلت -حسب اعتقادنا- محاولة لكبح السياسة الوطنية للبلاد، ومحرضاً رئيسياً لغضب الجماهير الشعبية. ومحاولة لأخذ سورية من الداخل بعد أن عجزت الإمبريالية الأمريكية وحلفاؤها الأوربيون والخليجيون والأتراك، وأدواتهم الإرهابية عن أخذها من الخارج؟