الديمقراطية والمستقبل في العالم العربي

مقال كتبته قبل سقوط نظام الاستبداد في سوريّة وأراه راهناً

يونس صالح:

لا ينبغي عند تناول الديمقراطية بالبحث والنقاش في البلدان العربية أنّ يغيب عن أذهاننا أنّنا نتحدث عن نبتة وليدة غضة، تنمو بحذر في تربة غير ممهدة لها، وليست شجرة وارفة الأوراق، راسخة الجذور في أعماق تربة الثقافة العربية السائدة.

لا شك أنّ الأساس العام لأيّ نمهج ديمقراطي لا يمكن أنّ يشيَّد بطريقة سليمة إلا في تربة صالحة لنمو الحرية التي ينبغي أنّ يتمتع بها المواطن الفرد، بحيث تتوافر له الإرادة الحرة التي تمكنه من معرفة ما يريد، وأنّ يمتلك الحرية التامة في اختيار ما يريد، كشرط أساسي ومبدئي لأيّ ممارسة ديمقراطية.

ولا بدّ هنا من الإشارة إلى أنّ نتاج هذه الحرية يجب أنّ يكون يقين الفرد الكامل في التعددية، وأنّ اختياره لما يريد لا يعني أيّ اختيار آخر لشخص أو جماعة سياسية أو اجتماعية أو عقائدية.

وبالرغم من الخطابات التي تؤكد عليه الحكومات العربية في حرصها الدائم على الديمقراطية، وبالرغم من تعارض الممارسات مع هذا الخطاب عبر القوانين الاستثنائية والممارسات التي تستعير وسائلها من النظم الديكتاتورية، لا من النماذج الديمقراطية، فإن أغلب هذه الحكومات قد حرصت على أنّ تزيّن الخطاب بهياكل مستعارة من الثقافة الديمقراطية مثل وجود البرلمانات والدساتير، وأحزاب حكومية ومعارضة، لكنها في الممارسات العملية ابتعدت عن النهج الديمقراطي، واكتفت بالإطار الشكلي لهذه المؤسسات وطوعتها لتأمين سياساتها، لتؤكد لذاتها أنّ كلّ ممارساتها مبررة بالوسائل الديمقراطية المتعارف عليها.

إن تلك المؤسسات الشكلية للديمقراطية وعلى مدى سنوات طويلة لم تعمل على ترسيخ ممارسات ديمقراطية حقيقية، وانتهجت الكثير من وسائل الالتفاف على رغبات الجماهير وحقوقها ومطالبها، ولذلك نرى اليوم في الكثير من البرلمانات العربية تحول تلك المؤسسات إلى سلطة أخرى فوق الشعب تُشرع ما يتوافق مع رؤيتها هي، وما ينسجم مع رؤية ومصالح السلطات الحاكمة، وليس رؤية ومصالح الشعوب الحقيقية. إن تلك الديمقراطيات الشكلية السائدة في العالم العربي لم تؤدي إلا إلى انتاج قيم وأعراف ما قبل الديمقراطية وقيمها الحضارية كقيم المساواة وعدم التمييز بين البشر في الدين والعرق والجنس واللون.

إن ما ينبغي التأكيد عليه في بحث سؤال مستقبل الديمقراطية في المنطقة العربية يتعلق بالكيفية التي يمكن أنّ تتحقق بها هذه الديمقراطية، وبحيث تتوازن مع المشكلات الفادحة التي تتسبب فيها كلّ من ظاهرتي الفقر والأمية على المستوى الاجتماعي والثقافي، خصوصاً أنّه حتى من يُعرفون في أغلب المجتمعات العربية بكونهم متعلمين ممن يقرأون ويكتبون، يخضعون اليوم للقبول باجتهادات وفتاوى في شؤون حياتهم الحديثة لا تتناسب على الإطلاق مع العصر ومنجزاته ومتطلباته، ويستقبل جموع المتعلمين تلك الفتاوي باعتبارها مسلمات ونصوصاً غير قابلة للنقاش وتحكيم العقل فيها، فهل يمكن أنّ تترسخ الديمقراطية في مجتمعات تُشكلّها مثل هذه الذهنيات؟ وهل يمكن لمثل هؤلاء الأفراد أنّ يحققوا شيئاً من الديمقراطية في المجتمعات التي ينتمون إليها؟

 

الدستور والتراث الفكري

إن هذه القضية ترتبط بإحدى أهم الخطوات التي تنتظرها كلّ المجتمعات العربية، وهي خطوة متعلقة بكيفية إنشاء الدساتير وصياغتها، ومحتواها الفكري والثقافي القادر على إدارة تلك المجتمعات وقيادتها إلى بناء حياة ديمقراطية سليمة قابلة للبقاء والنمو والازدهار.

إن إحدى الإشكاليات التي تعاني منها الذهنية العربية إجمالاً أنّ التراث السياسي والثقافي الممتد على مساحة عشرات المئات من السنين الماضية تحول إلى ما يشبه القداسة، التي هي خارج النقاش والبحث وإعادة التحليل.

هذا التراث الذي انتجته المجتمعات العربية في تلك الفترات التاريخية البعيدة، وهو ما يعني أنّنا بذلك قد منعنا أنفسنا من وزن الأمور بميزان العقل والمنطق فيما يتعلق بمصالحنا الذاتية، وشؤون حياتنا في عصر يتسم بالكثير من توافر وسائل العلم واتساع القدرات العقلية عبر الوسائط المعرفية الجديدة التي اُنتجت خلال العقود الأخيرة، مع الأخذ بالاعتبار، أنّ ما انتجه العرب القدامى قد اُنتج في عصر كانت وسائل البحث العلمي فيه محدودة مقارنة بالعصر الذي نعيشه، والذي ترتبط فيه العقول العربية والغربية معاً عبر شبكة اتصالات معرفية عولمية هائلة وغير مسبوقة في تاريخ البشرية.

إن المطلوب الآن على وجه الضرورة من الإنسان العربي المعاصر أنّ يبحث عن حلول عقلانية وعملية لمشكلاته وأزماته التي يعود الكثير منها إمّا إلى سيادة الأفكار التسلطية التي تشيع تارة باسم رجال السياسة وسلطات الحكم، وتارة باسم السلطات والمرجعيات الدينية.

وبشكل عام إذا تأملنا تاريخ ما يمكن أنّ نطلق عليه مصطلح الديمقراطية في العالم العربي، فسوف نجد تجربتين أساسيتين، التجربة الأولى هي تلك التي تأسست تحت سلطة الاستعمار الغربي للمنطقة وتمّ إلغائها كلياً تقريباً على يدّ الحكومات الوطنية التي تأسست عقب الاستقلال، أمّا التجربة الثانية فهي التجربة التي تأسست عقب الاستقلال لكنها فشلت تقريباً دون استثناء لأنّها قامت على سلب الحريات العامة، وشلّ القدرة على الاختيار للمواطنين، وعملت على تركيز كل السلطات أيّ السلطة السياسية والأمنية والمالية في يدّ الحكم الذي تحول من حكم وطني جاء على أنقاض عصر الاستعمار الأجنبي ليوفر الحرية والأمن والثروة للمواطن إلى سلطة مستبدة تحتكر الحرية والثروة والأمن لنفسها.

واليوم فإن التفاؤل المفرط في تصور أنّ التحول إلى الديمقراطية قد أصبح على الأبواب تفاؤل لا يسنده الواقع السياسي والاجتماعي القائم في البلدان العربية. فالطريق إلى الديمقراطية طريق طويل، يتطلب الكثير من العمل والجهد. فالديمقراطية لا تنشأ بقرار حاكم أو مجلس بلّ هي عمل دائم تتضافر له عقول المفكرين من فلاسفة وقانونيين وفنانين وأدباء ومثقفين ورجال سياسة واقتصاد لإعادة بناء مجتمعات لا تزال تعيش في الماضي الذي رحل ولن يعود.

العدد 1194 - 15/04/2026