أوربا تعيش أزمات متلاحقة
د. صياح فرحان عزام:
تواجه القارة الأوربية عدة أزمات متلاحقة، قد تتحول إلى أزمات وجودية تتعلق بالاتحاد الأوربي وبمستقبل دول القارة، ونظراً لكونها في مثل هذا الوضع وعدم قدرتها على مواجهة التحديات، فهي بالتالي ليست في أفضل حالاتها.
وقد سبق لوزير الدفاع الأمريكي الأسبق دونالد رامسفيلد أن وصف أوربا عام 2003 بـ(القارة العجوز) من حيث وضعها وعدم قدرتها على التصدي للأزمات التي تحتاجها، رغم أن قيام الاتحاد الأوربي شكّل عند ظهوره نقلة مهمة تجاه استقرار القارة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وتحول الاتحاد إلى نموذج لبناء علاقات تكاملية بين دول تختلف ثقافياً وعرقياً ودينياً على إثر حروب شرسة بينها، أدت إلى مقتل الملايين من البشر، وتدمير مئات المدن والمناطق والقرى كانت آخرها الحرب العالمية الثانية.
ولا يخلو وصف رامسفيلد للقارة العجوز من محاولة الغمز من قناتها آنذاك، والسؤال الآن هو التالي: ماهي أهم الأزمات التي تواجهها أوربا الآن؟
– أولها وأخطرها الحرب بين روسيا وأكرانيا، والخلافات حول توسيع الاتحاد، والانقسامات حول تعزيز سياسة الدفاع، وتصاعد المد اليميني المعادي للهجرة والإسلام، والأزمات الاقتصادية، وشح إمداداتها من الطاقة والوقود، ثم الإضرابات والاحتجاجات التي شملت أكثر من بلد أوربي بسبب ارتفاع مستويات التضخم وغلاء المعيشة، علاوة على الشيخوخة المتزايدة.
– وفي منتصف شهر أيلول الماضي من هذا العام، اتخذت ألمانيا قراراً بفرض رقابة صارمة على حدودها التي تمتد لمسافة 3700 كم وتشترك فيها مع الدانمارك وهولندا وبلجيكا وفرنسا ولوكسمبورغ وسويسرا والنمسا والتشيك وبولندا، وهذا يشكل منعطفاً خطيراً إذا ما استمر لفترة طويلة، وهو أمر أغضب العديد من الدول الأوربية التي اعتبرت أن فرض ضوابط حدودية واسعة بحجة الرد على الهجرة غير النظامية هو (إلغاء لمنطقة شينغن من جانب واحد) يهدد امتيازات شينغن التي أنشئت عام 1985 والتي تفتح حدود 25 دولة أوربية فيما بينها من خلال التنقل الحر بين مواطنيها من دون ضوابط حدودية.
وقد اعتبرت صحيفة (لوموند) الفرنسية أن سياسة ألمانيا تجاه الهجرة تفتقد إلى المصداقية، وقد تعزز من قوة حزب البديل من أجل ألمانيا المتطرف.
إذاً، يمثل القرار الألماني هذا تحولاً كبيراً عن السياسات المتوازنة التي اتبعتها المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل منذ عام 2015، وهو ما انعكس إيجابياً على ألمانيا في مجال الاستفادة من العمالة الماهرة التي تفتقر إليها في مجال العمل والعمال.
هذا جانب مستجد من الأزمة الأوربية، وهناك الأزمة الاقتصادية التي اتسعت مع الحرب في أوكرانيا، فقد بلغ الركود الاقتصادي والتضخم مستويات قصوى مع ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة وقف الإمدادات الروسية، إضافة إلى الالتزامات الأوربية المالية تجاه كييف والتي أرهقت ميزانيات دولها التي لم يعد بإمكانها تنفيذ برامج اقتصادية واجتماعية تخدم المواطن الأوربي، وبالتالي أدت إلى قيام تظاهرات نقابية وجماهيرية احتجاجية.
باختصار، أوربا ليست في أحسن الحالات بسبب سياسات حكامها الموالية للسياسة الأمريكية.