في الذكرى المئوية للتأسيس.. الانتخابات في الـحزب
ذوقان شرف:
في البداية، تحيّة مفعمة بالودّ والتقدير، لكلّ من ساهم أو بنى لبنة في صرح هذا الحزب، ولكلّ من عمل ويعمل على النهوض بالحزب وتطويره وزيادة فاعليته في الساحة السياسية السورية، منذ تأسيسه عام 1924! إنها مئة سنة مليئة بالإنجازات والنجاحات والمواقف المشرّفة، وهي مليئةٌ أيضاً بالإخفاقات والممارسات التي لا تسرّ، وإني أرى أن أفضل ما يقتضيه الاحتفال بمئوية الحزب هو استخلاص الدروس والعِبر من مسيرة هذا الحزب، لتكريس النجاحات وتكرارها وتعميقها وتوسيعها، ولتجنّب الأخطاء والخطايا والممارسات التي انعكست وما تزال تنعكس سلباً، على الرفاق، وعلى الحزب ودوره ونشاطه.
وما دمنا في سياق التحضير للمؤتمر الرابع عشر للحزب، فستكون مسألة الانتخابات محور هذا المقال.
تعيين من فوق
يعرف كثير من الرفاق والمتابعين أنه، على مدى الخمسين سنة الأولى من عمر الحزب، وأتحدث هنا عن الحزب الشيوعي السوري، الذي تأسّس أواخر تشرين الأول 1924، كان أسلوب (التعيين من فوق) هو السائد في الحزب.
وفي هذا السياق كان أحد الرفاق في منظمتنا يكرّر، من باب المزاح: الحزب، يا أخي، أفهم من البني آدم! أو يعكسها بصيغة سؤال: أمعقول أن يكون البني آدم أفهم من الحزب؟!
بالنتيجة كان يفوز، أو يتولّى الموقع المعنيّ، بالتزكية غالباً، مَن حدّدهم (الحزب).
وتجدر الإشارة، هنا أيضاً، إلى أن هذا الأسلوب في التعيين كان منقولاً من (الشقيق الأكبر)- الحزب الشيوعي السوفييتي، ولكنه كان أيضاً مطعّماً بنكهة شرقية!
الانتقاد قولاً..
وتكرار الأخطاء سلوكاً
- في المؤتمر الثالث للحزب (1969)، انتُقِد هذا الأسلوب، بعد مرور أكثر من عشر سنوات من وفاة ستالين ومن انتقاد أسلوبه، في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي؛ كما انتُقد، في المؤتمر الثالث أيضاً، غيابُ المؤتمرات على مدى خمس وعشرين سنة. واعتُمد مبدأ (المركزية الديمقراطية)- وهو مبدأ لينيني في التنظيم، يتضمن في أحد بنوده أن يجري اختيار القيادات بالانتخاب السرّي، وفق السمات العملية والفكرية والسياسية والأخلاقية.
- في السبعينيات ومع توالي الانشقاقات في الحزب.. ساد إلى حدٍّ ما أسلوب (التطبيق)، مغطّى بممارسة انتخابات شكلية، كانت تؤدّي في المحصلة إلى:
أولاً- استمرار القيادات (التاريخية) في مواقعها.
ثانياً- طفاش عددٍ غير قليل من الرفاق، بينهم مناضلون مهمّون وشباب متحمسون.. إما أنهم (قعدوا) في بيوتهم، أو شكّلوا حلقات ماركسية اهتمّت بإعادة دراسة الماركسية.. وغير ذلك.
- في الثمانينيات، ثم في المؤتمر السابع الموحد (1991) وما تلاه، بدأت تترسّخ، في النظام الداخلي، وإلى حدٍّ ما في الممارسة العملية، بعضُ الآليات والمحدّدات لممارسة الانتخاب، ذات طابع ديمقراطي: الترشيح، الترتيب الأبجدي لأسماء المرشحين، التعريف بالمرشحين علناً، أمام المؤتمر، والحقّ لأعضاء المؤتمر في توجيه أسئلة لكلّ مرشح، الغرفة السرّية.. وغير ذلك، وأتاح النظام الداخلي واللائحة التنظيمية للجنة الرقابة دوراً أكبر وأساسياً في الإشراف على العملية الانتخابية، بدءاً من الترشيح حتى إعلان النتائج.
(طوعاً).. يعني بإرادتي فقط
لا بإرادة غيري!
- لنتذكّر الآن، ودوماً، أن الحزب (اتحاد كفاحي طوعي…)، وما دمت قد انتسبت لهذا الحزب طوعاً، فهذا يعني أنني اخترت وقرّرت بإرادتي فقط لا بإرادة غيري، وأنّ عليّ في الانتخابات أن أعتمد على قناعتي وإرادتي فقط، لا على إرادة غيري!
- ولنتذكّر أن من وثائق الحزب الشيوعي السوري الموحد، التي أُقرّت في مؤتمراته ما اصطُلح على تسميته: البرنامج الديمقراطي، وأننا ننتقد الأساليب والممارسات غير الديمقراطية التي تنتقص من حقوق المواطن في الانتخابات (مجلس الشعب، الإدارة المحلية، …)، ولكن، في الوقت نفسه، عندما تبدأ عندنا في الحزب الانتخابات، على كلّ المستويات، يعود بعض الرفاق لتكرار الممارسات القديمة والمقيتة نفسها، الممارسات التي انتقدها الحزب وما زلنا ننتقدها وينتقدونها علناً، غير أنّ هؤلاء البعض، في الممارسة العملية، يتّبعون مبدأ (الغاية تبرّر الوسيلة)، والشاطر يدبّر حالو!
- الانتخاب، بحسب النظام الداخلي للحزب واللائحة التنظيمية، حقٌّ لكلّ رفيق ورفيقة في الحزب، وكذلك الترشّح، ويحقّ للمرشّح طبعاً أن يمارس، قبل المؤتمر وأثناءه، دعايةً انتخابية يُبرز فيها سماته وبرنامج عمله للموقع أو للهيئة التي يرشّح نفسه لعضويّتها، ولكن حين يبدأ التصويت، يجب أن تتوقف كلّ دعاية انتخابية، وأن يمارس كلّ رفيق وكلّ رفيقة من أعضاء المؤتمر، في الغرفة السرية، دون أيّ ضغوط أو مساومات، حقّهم في اختيار من يعطونه صوتهم، من قائمة المرشحين، وفقاً لقناعة كلٍّ منهم، وأن يشطبوا من قائمة المرشحين اسم من يريدون أن يحجبوا صوتهم عنه. ومعروف أن اللائحة تحدد الحد الأدنى من أسماء المرشحين الذي يجب أن تتضمنه ورقة الاقتراع، ومعروفٌ وجديرٌ بالتذكير أيضاً أنه في المؤتمر (الفرعي، المنطقي، العام)، وخصوصاً عند بدء فقرة الانتخابات، يكون كلّ أعضاء المؤتمر متساوين في الحقوق والواجبات.
استناداً إلى ما تقدّم:
- ليس لأحدٍ، أيّاً كان موقعه وصِفته، أن يحرمك هذا الحقّ، ولا أن يفرض عليك الترشّح أو سحب الترشيح.
- وليس لأحدٍ أن يمون عليك أو أن يفرض عليك أن تعطي صوتك لمرشّح أو أن تحرم منه مرشّحاً آخر.
- هذا الحقّ يجب أن يمارسه كلّ رفيق ورفيقة منفرداً في الغرفة السرّية حصراً، بحسب النظام الداخلي واللائحة التنظيمية أيضاً، وأن يطويها ويسلّمها بيده مباشرةً للّجنة المشرفة على الانتخاب.
- ويجب أن توفّر اللجنة المشرفة على الانتخاب هذه الغرفة، ومستلزمات سرّيتها، فلا يحقّ لأحد أن يطّلع على ورقتك، لا قبل الانتخاب، ولا أثناء الانتخاب، ولا بعده (طبعاً ما عدا اللجنة المشرفة على الانتخابات، حين تبدأ فتح الأوراق وفرز الأصوات وتحديد النتائج، وحينئذٍ لن تعرف اللجنة ولا غيرها ورقتك ولا ورقة غيرك).
- لا يحقّ لأحد أن يقول لك مثلاً: اشطب لي هذا الاسم، أو صوّت لهذا الاسم، وليس له أن يسألك لمَن منحت صوتك ولا مَن شطبت، كما أنه ليس من اللائق أن تتباهى أمام المرشح الذي أعطيته صوتك، بأنّك أعطيته صوتك، ولا أن تُحمّله منّةً أو جميلاً بذلك.
- ليس لأحدٍ أن يلومك لأنك أعطيت صوتك لأيٍّ من المرشّحين، أو لأنك حجبته عنه، وإذا كنت لا تعرف كلّ المرشحين فمن حقّك أن تطلب من اللجنة المشرفة على الانتخابات، ومن المرشحين، التعريف بأنفسهم، وببرنامجهم الانتخابي، علناً أمام المؤتمر، قبل بدء التصويت.
- ومن المنطقي والطبيعي، في هذه الحالة، أن ينجح من ينال أكثر الأصوات، على أساس سماته النضالية والعملية والشخصية والأخلاقية، يعني أن ينجح الأكثر كفاءةً، وأن لا ينجح من نال الأصوات الأقلّ، وعندئذٍ، وإذا التزمنا بهذه المعايير سنصبح وسيصبح الحزب أكثر قدرةً على النهوض والتطور ومواكبة المستجدّات، وأن يكون فاعلاً بل أكثر فاعليةً وحضوراً في الساحة السياسية السورية.
- أمّا حين أصوّت لرفيق، على أساس أنه ابن بلدي، أو من أقربائي، أو لأنه (أخي في الدين)، وحين أحجب صوتي عن رفيق لأنه ليس من بلدي ولا من عائلتي ولا (أخي في الدين)، أو لأن الرفيق فلان طلب ذلك أو يريد ذلك، فسيكون تصويتي هذا، عندئذٍ، مخالفاً أولاً للنظام الداخلي واللائحة التنظيمية، ومخالفاً ثانياً ومناقضاً لانتقادنا ممارسة الآخرين هذا الأسلوب في الانتخابات، ومخالفاً أيضاً لما يدعو إليه الحزب والفكر الماركسي من ضرورة تجاوز الانتماءات ما تحت الوطنية (العائلية، الطائفية، الدينية، الإقليمية، القومية …)، والارتقاء بالمجتمع إلى رحاب الوطنية الجامعة، ما يعني بالمحصّلة أن هذا السلوك مساهمة في ركود الحزب وتراجعه أكثر، بدل أن يسعى هذا الرفيق أو ذاك، وأن نسعى جميعاً للنهوض بالحزب والارتقاء بدوره ونشاطه وفاعليّته، وأترك التفاصيل إلى مقالٍ لاحق.
- أختم بأن ما دفعني للكتابة، أنّي أرى، ونحن نحتفل بالذكرى المئوية، أن المعيار الأساسي الذي يُفترض بكلّ شيوعي أن يعتمده في سلوكه اليومي وفي نضاله، وخصوصاً في الانتخابات الحزبية، هو مصلحة الحزب والشعب والوطن.