السعادة قرار.. لكن كيف؟
رنيم سفر:
صادفني أثناء تصفّحي صفحات الفيسبوك لأحد المواقع الإلكترونية هذا الشعار: (السعادة قرار).. وبعد إعجابي بمضمونه وما يحققه لي على الصعيد الشخصي، قرّرت أن أعمل به..
ولكني احترت فمن أين أبدأ؟ على المستوى الشخصي أم العائلي؟ الوظيفي أم الاجتماعي؟ النفسي أم المادي؟
بدايةً، السعادة بمفهومها ومقوماتها متفاوتة من شخص إلى آخر، من مقوماتها وجود العائلة حولك، النجاح، الصحة، راحة البال، وبالنسبة للأغلبية يعتبر المال مقوم السعادة الأساسي، لاعتباره وسيلة قادرة على خلق السعادة، ولكنّ كلّ المقومات السابقة لا تنطبق علينا، فنحن منفردين عن غيرنا حتى بالسعادة.
أولاً_ لنبدأ بوجود العائلة من حولك، أثّرت الحرب على كلٍّ منّا، وإن أمعنّا النظر لوجدنا لدى كلّ عائلة سوريّة ألماً دفيناً مفجوعين بفقدان أحبّتهم، ما يجعل اتخاذ قرار السعادة أمراً في منتهى الصعوبة، أمّا إن كنت ممن لديهم طموح مستقبلي بالزواج وبناء أسرة والعيش بسعادة وسلام للأبد فأنت بحاجة إلى منجم ذهب، وأنصحك بألا تنجرف مع أحلامك فتنسى الواقع.
ثانياً_ لكلٍّ منّا أحلامه بالنجاح والوصول وتحقيق الذات وهو الأمل الذي يدفعه للبقاء والاستمرار وتحدي الواقع، ولكن مع كلّ المحاولات الصعبة يقف الواقع كعقبات مريرة في وجه نجاحنا، فنجاح السوريين أمرٌ أشبه بخلق المعجزات وزمن المعجزات قد ولّى.
ثالثاً_ الصحة سعادة ولكن كيف ستتحقق الصحة من دون مقومات تدعمها؟ فعلى سبيل المثال إنّ أردت إطعام صغارك طعاماً يرمّ عظامهم فأنت بحاجة إلى راتبك كاملاً أو نصف راتبك كي تقوم بهذه المهمة، ولن ننسى الأمر الأصعب إن أصبت بوعكةٍ صحيةٍ فستضرب أخماساً بأسداس، وستجمع وتقسم وتطرح بفتات راتبك، وفي النهاية ستردد الآية الكريمة: (وإذا مرضت فهو يشفينِ)! وستغلي كوب من الزهورات التي تشفيك من كلّ الأمراض مهما كان مرضك مع مسكّن للألم كما اعتدت أن تفعل كلّ مرة.
رابعاً_ بالنسبة لأمثالنا، المال مرتبط مع راحة البال، فإن وُجِدَ المال حُلّت %٩٩،٩ من الهموم، وبالتالي سنعيش حياتنا دون تفكير مرهق، فهمومنا متمثلة بالتفكير في إيجار البيت، فالشهر على الأبواب، إضافة إلى حلم شراء بيت مستقل، وهو أمر بحاجة إلى قروض من البنك الدولي مدى الحياة، ستسددها أنت وأحفادك في المستقبل، إضافة إلى التفكير المطول بتكاليف المدارس، فالصغار بحاجة إلى نفقات كبيرة، ولن ننسى أننا نعيش في حلقةٍ منعزلةٍ عن الكوكب بينما يشهد العالم ثورة الاتصال وتكنولوجيا المعلومات ونحن ما زلنا على هواتفنا القديمة التي إن أصابها مكروه سنحتاج إلى الصبر ومعه ٤ ملايين ليرة أيضاً ثمن هاتف جديد.
في النهاية يختلف مفهوم السعادة لدينا عن كلّ العالم، فالفرح يكون، مثلاً، بقدوم رسالة البنزين في وقتها، أما الفرحة الكبرى فهي أن نتمكن من تأمين كمية كافية من المازوت لندفأ شتاءً دون أن تصطكّ أسناننا، أو عند قدوم رسالة الغاز بموعدها كما حسبنا لها بالضبط أو عند ذهابك إلى دوامك على الموعد من دون (مرمطة المواصلات) وأزمتها اللامتناهية، كلّها أمور لن يفهمها إلا السوريّ.
والقائمة تطول في درب تحقيق السعادة لكل شخص، لكن أمام ما ذكرناه سابقاً وأمام إقرارنا بجمالية الشعار (السعادة قرار)، ما بيدنا حيلة، ونطلب من أصحاب القرار المساهمة الفعلية في سبيل تحقيق الشعار ولو بالحد الأدنى، وكما اعتدنا باقون على أمل التحسين.. دمتم ودمنا سالمين!