مرشّح رئاسي بخطابٍ عنصريّ وغبيّ
أحمد ديركي:
الخطاب الذي يلقيه الخطيب يعبّر عن موقفٍ ما له علاقة بالخطيب، ولا يكون الأمر تعبيراً عن رأي شخصي للخطيب إلا فيما ندر. فغالباً ما تكون للخطابات علاقة بقضايا سياسية أو شؤون اقتصادية أو أمور اجتماعية.
ومهما تنوعت أنواع الخطب فالخطيب يلقي خطابه ليعبّر عن هذه القضايا، وكلما ارتفع مستوى الخطيب كان الخطاب أكثر أهمية. فعلى سبيل المثال، قد تختار مؤسّسةٌ ما، أو تنظيم ما، أو سلطة ما، شخصاً مغموراً ليلقي خطاباً يعبّر فيه عن امتننانه لهذه المؤسسة أو يمدح سياسة هذه المنظمة أو ما شابه. وفي هذه الحالة يقول الخطيب ما كُتب له من قبل أهل القرار، أو مستشاريهم، أو حتى يمكن أن يكون خطاباً ارتجالياً لكن بضوابط يحددها أهل القرار.
مع ترقّي الخطيب في السلم الوظيفي يصبح خطابه أكثر رصانةً ودقةً لأنه يتحمل في خطابه مسؤولية ما ورد في الخطاب. يمكن لهذه المؤسسة أو تلك أن تتملص من مسؤلية خطاب خطيب ما، وهذا التملص يعتمد بشكل أساسي على موقع الخطيب في السلم الوظيفي. لكن عندما يخرج رأس الهرم ليخطب فهنا الكارثة. كل كلمة ينطق بها رأس الهرم هي دليل عليه يمكن أن يقاضيه المستمعون عليها. وكل موقف يقوله رأس الهرم في خطابه موقفٌ رسمي لا مفر منه، وعلى الخطيب هنا، بكونه رأس الهرم، أن يتحمّل مسؤولية مواقفه.
والخطاب حين يخرج من فم الخطيب لا يعود ملك الخطيب، بل ملك المستمع. فالمستمع هو من يقرر كيفية فهم الخطاب، لذا تكون مهمة الخطيب، وبخاصة من هم في رأس الهرم، صعبة جداً لأن على خطابه أن يكون واضحاً ومنطقياً ولا يحمل الكثير من التأويلات.
بصفةٍ عامة هذه الخطابات كثيرة، ففي كل يوم قد نسمع أكثر من خطاب حول قضية ما، نأخذ ببعضها ونلقي بالقمامة بالكثير من البقية. وما يحفز على الاستماع إلى الخطاب والتمعن فيه له علاقة مباشرة بموقع الخطيب، ومدى مصداقيته بين العامة. والمصداقية هنا أمر معقد ليس من اليسير تفسيره وبخاصة في عالمنا العربي، بين الخطيب والمستمع. لكن المصداقية وموقع الخطيب لها دور كبير في جذب المستمع إلى الاستماع.
حالياً الكيان الصهيوني يغتصب شعب فلسطين وأرضها، يرتكب المجازر بالشعب الفلسطيني وأرض فلسطين، الكيان الصهيوني يهين كل ما هو إنساني، الكيان الصهيوني يدمر كل ما يعرف بأنظمة وقوانين نصت عليها المنظمات العالمية، ويرتكب المزيد والمزيد من هذه الأفعال الوحشية والعالم يصفق له ويدعمه في أفعاله. ومن يقاوم ما يفعله هذا الكيان الوحشية بحق الإنسان يصنّف على أنه إرهابي. لذا فإن الاستماع إلى الخطابات وبخاصة السياسية، بغض النظر عمّن يلقيها، سواء كان في رأس الهرم السياسي أم في أسفله، لا يغيّر شيئاً لدى المستمع، ولا يؤثر بشيء في أفعال الكيان الصهيوني، لأنه يعلم تماماً أن من يقول هذا الخطاب يقول مجرد كلمات فارغة المضمون لا تأثير لها عليه.
لكن الداعم الأكبر والأقوى للكيان الصهيوني، الولايات المتحدة الأمريكية، تمرّ حالياً بمرحلة انتخابات رئاسية. والخطابات لمرشحي الرئاسة مهمة لأن المرشح، أو المرشحة، يضع في خطابه مشروعه السياسي، على المستويين الداخلي والخارجي. وبعيداً عن دعم الكيان الصهيوني فإن أمريكا دولة عظمى ولسياساتها، الاقتصادية والسياسية، دور على مستوى العالم. لذا لا بد من متابعة خطب مرشحي الرئاسة لمعرفة الخطوط العريضة لما سوف تكون عليه الأيام المقبلة. والخطاب هنا آتٍ من رأس الهرم، أي من ذاك المرشح الذي سوف يتولى رئاسة أمريكا.
في محاولة لتتبّع مجريات الأحداث في فلسطين، وفهمها وإن كان الفهم هنا مسألة شديدة الوضوح، وفهم ما يقوم به الكيان الصهيوني من أفعال وحشية اعتدائية، وما يتلقاه من دعم عربي وأوربي وأمريكي وما تقوم به المقاومة بكل أطيافها لمقاومة الكيان الصهيوني ومشروعه الواضح، كان لا بد من محاولة الاستماع لخطب مرشحي الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية من أجل استكمال محاولة تتبع مجريات الأحداث.
المرشحان للرئاسة هما ترامب المتنافس مع هاريس، ولكلٍّ منهما خطابه. لا يختلف خطاب ترامب عن خطاب هاريس إلا بالشكل لا في المضمون. ترامب يدعم الكيان الصهيوني بطريقته، ولهاريس طريقتها بدعم الكيان الصهيوني. فالاختلاف، لا الخلاف، هنا في الشكل لا في الجوهر.
لكن خطابات ترامب أكثر وضوحاً في مواقفها من كافة الأمور. والوضوح هنا متأتٍّ من الغباء والعنصرية. في أحد خطبه الذي دام أكثر من نصف ساعة، قال ترامب أموراً لا منطقية وغبية وعنصرية. بدت عنصريته واضحة تماماً تجاه المهاجرين إلى أمريكا. فوصفهم بالمختلين عقلياً، والمجرمين، وتجار المخدرات… واعداً إن فاز بالرئاسة بإعادتهم إلى بلادهم. وخلال حديثه عن المهاجرين وتوصيفه لهم بكل الصفات المشينة والعنصرية، ومن دون أي مقدمات، يقفز إلى تحسين الوضع المعيشي للأمريكيين من خلال تخفيض أسعار المحروقات والطاقة. طبعاً من دون ذكر أي كلمة حول خطته لفعل هذا سوى القول إنه سوف يعيد التراخيص لحفر الآبار الأحفورية. ثم من دون مقدمات يقفز إلى مسألة المهاجرين تجار المخدرات والمختلين عقلياً… ثم يقفز إلى مسألة الحد من الغزو الصيني لأمريكا ومحاولة استرجاع الشركات الأمريكية إلى أرض أمريكا لتنشيط الاقتصاد الأمريكي… ثم يقفز إلى أسعار المحروقات في الداخل الأمريكي والعمل على تقليص الاعتماد على الطاقة البديلة، فيقول إن توليد الطاقة من الهواء قتلت النسر الأصلع رمز أميركا! لذا علينا التوقف عن دعم إنتاج الطاقة من الهواء… من هذا الموقف حول الطاقة يقفز مجدداً إلى المهاجرين المختلين عقلياً ووجوب ترحيلهم عن البلاد. وهو يتحدث عن الترحيل يقفز إلى وجوب وضع حد لروسيا وتدخلاتها في أوكرانيا! وينتقل من أوكرانيا إلى إعادة الحلم الأمريكي! وهكذا دوليك، القفز من فكرة إلى أخرى من دون استكمال الأولى ومن دون أي توضيح لكيفية تطبيقها.
بالمختصر يمكن القول إنه خطاب مشبع بروح العنصرية والغباء ولا يحتوي على أية فكرة متكاملة المعالم. لكن الأمر الصادم في المسألة كلها أن هناك من يقف ويصفق له، كما يصفق لهاريس. فهل وصل الغباء بالمستمعين إلى هذا الحد ليصفقوا لخطاب عنصري غبي لا يحوي على فكرة متكاملة؟ هل الداخل الأمريكي لا يجيد تركيب جملة مفيدة يمكن الاعتماد عليها من أجل وضع ولو الخطوط العريضة لقراءة مسألة ما؟ هل أصبحت العنصرية والغباء مفخرة العقل والديمقراطية؟
نعم، تتلاقى العنصرية الصهيونية مع العنصرية الأمريكية، لكن أين نحن؟ وما موقفنا الواضح من هاتين العنصريتين؟ ألا يكفي انبطاحاً واستزلاماً للكيان الصهيوني والأمريكي؟ ألا يكفي الاستماع إلى خطابات رئاسية عنصرية وغبية كهذه للقول ولو لمرة واحدة أيها الصهاينة والأمريكيون أنتم أغبياء وعنصريون ويجب أن نتحرر منكم؟