قمة الأطلسي تصعّد ضد روسيا والصين!
د. صياح فرحان عزام:
عقد قادة دول حلف الناتو قمة مع الرئيس الأمريكي جو بايدن، الذي يواجه مصيراً انتخابياً مجهولاً أمام خصمه الجمهوري ترامب، المعروف بأنه مناوئ دوماً لهذا الحلف (الذي عفا عليه الزمن)، علماً بأن هذه القمة في واشنطن تعقد في ضوء اضطرابات سياسية وأمنية حادة، بمعنى أن رياح الأحداث الدولية تجري بما لا يشتهي قادة الحلف.
ويقول باحثون متابعون إن القمة ستعمل على وضع خطط مستقبلية للتعامل مع العودة المحتملة لترامب إلى البيت الأبيض في شهر تشرين الثاني القادم.
من المعروف أن الحلف الغربي (الناتو) مضى على قيامه ثلاثة أرباع القرن، واتسعت دائرة المنضمّين إليه في العقدين الماضيين (يضم 32 دولة) مستفيداً من انهيار الاتحاد السوفييتي السابق وتهافت دول أوربا الشرقية للالتحاق به بناء على وعود أمريكية بمساعدة وحماية هذه الدول من أخطاء مزعومة، ولكن رغم ازدياد عدد دوله، لم يصبح أقوى من السابق كما يدّعي ممثلوه وقادته، بل حملت زيادة أعضائه معها عدة تناقضات وسياسات متضاربة، والأكثر من ذلك أن بعض أعضائه لم يعد يرى في الانتماء إلى هذا الحلف شرفاً أو مجداً أو مكسباً دائماً لا يزول. ومثلما حاولت قيادة الناتو التذرع بالهجوم الروسي على أوكرانيا لتستقطب فنلندا والسويد، تحاول أيضاً تجنب انفجار الحلف من داخله بسبب التحولات العاصفة سياسياً واجتماعياً في أوربا، وتغير المزاج الأمريكي تجاه الحلف إذا عاد ترامب إلى البيت الأبيض، فقد سبق له أن توعد خصومه مراراً بإعادة النظر في بنية الحلف وتمويله ودوره مستقبلاً، مبدياً استعداده الكامل لاتخاذ بعض القرارات الصارمة والصادمة التي ربما تضع هذا الحلف المتعدد الجنسيات على سكة التفكك، وهذا الموقف لترامب شكل وما يزال بالنسبة للأوربيين كابوساً ثقيلاً.
ومثلما لم يكن أحد يصدّق أواسط القرن الماضي أن ينهار الاتحاد السوفييتي وحلف وارسو، وحصل الانهيار فعلاً، هناك من يتوقع أن ينهار حلف شمال الأطلسي، إذ يمكن أن تؤثر عليه التقلبات السياسية في القارة الأوربية، وكذلك تؤثر عليه بوادر فشله في وقف التقدم الروسي في أوكرانيا، أو أن تتضارب المصالح السياسية والاقتصادية لأعضائه، بمعنى أن الخطر على الحلف لن يقتصر على عودة ترامب إلى رئاسة أمريكا.. يضاف إلى ذلك أن نخباً سياسية أوربية من أقصى اليسار وأقصى اليمين المتطرف أصبح لها حضور فاعل في المشهد السياسي الأوربي، وهي لا تؤمن كثيراً بهذا الحلف ولا تثق بقدراته وخططه وتوجهاته، وتنظر إليه على أنه أداة طيّعة بيد الولايات المتحدة الأمريكية للهيمنة على أوربا وضبط سياستها بحيث تبقى تسير وفق ما تريده واشنطن، بما يخدم مصالحها وخاصة في مواجهتها لروسيا والصين.
إن هذه القمة لحلف الأطلسي هي الأخيرة التي يحضرها الرئيس بايدن، المشكوك في جدارته وقدراته من قبل الأمريكيين أنفسهم قبل غيرهم، ستكرر- كما يرى باحثون المواقف السابقة المتعلقة باستمرار تقديم الدعم لنظام زيلينسكي، والتصدي للسياسات المناوئة للحلف من داخله، والاستمرار في سياسة تعزيز ما يسمى بـ(الشراكات العالمية) ولاسيما في منطقة المحيطين الهادي والهندي، لكن كل ذلك لن يحجب حالة الضعف وعدم الثقة بمستقبل الملف، وتباين وجهات النظر في مواجهة الأزمات المستجدة والتعامل مع الخصوم.
وهكذا من الواضح أن حلف الناتو يحاول إظهار تماسكه وقوته، كما أن الرئيس بايدن يحاول الظهور بأنه لايزال قادراً على الإمساك بالملفات الدولية، فيما ترتفع الأصوات داخل حزبه للخروج من السباق الرئاسي.