مؤتمر (هرتسيليا) الحادي والعشرون

د. صياح فرحان عزام:

عقد يومي 24 و25 حزيران الماضي المؤتمر الحادي والعشرون الذي ينظمه مركز هرتسيليا تحت شعار (الرؤية الاستراتيجية في عصر عدم اليقين)، في جامعة رايخمان، الجامعة الخاصة الوحيدة التي أسسها المستعمرون الصهاينة، والتي جاءت تسميتها نسبة إلى مؤسس الحركة الصهيونية تيودور هرتزل.

تأسس هذا المؤتمر عام 2000 بمبادرة من عوزي آراد، ضابط سابق في الموساد تحت شعار (ميزان المناعة والأمن القومي الإسرائيلي).

إن أهمية المؤتمر تكمن في أنه يمثل خلاصة عقل الكيان الصهيوني، وأعلى هيئة فكرية صهيونية للتخطيط البعيد الأمد.

غني عن الذكر أن معظم التوصيات والمقترحات التي تطرح فيه تأخذ طريقها إلى التنفيذ، وتصبح قرارات حكومية أو تكون من ضمن خطط الكيان.

ولعل أهم ما يميز مؤتمر هرتسيليا أمران: الأول أنه لا محرمات ولا ممنوعات في الطروحات والمناقشات والآراء، فالجرأة حاضرة بقوة والحصانة مرفوعة عن كل الشخصيات وتزول السرية عن كل الملفات.. أما الأمر الثاني الذي يميز المؤتمر فهو الحضور، إذ يشارك فيه رؤساء الكيان السابقون، ورؤساء الحكومات السابقون، ورؤساء هيئة الأركان، مفكرون سياسيون وعسكريون استراتيجيون وقادة عسكريون وأكاديميون من الجامعات الصهيونية المختلفة، وأشخاص من خارج الكيان لهم علاقة بالمواضيع المطروحة على أجندة المؤتمر، ويصل عدد المشاركين فيه من داخل الكيان وخارجه إلى أكثر من 2000 شخصية سياسية وعسكرية وصاحب خبرة.

ومما ميز مؤتمر هرتسيليا الأخير: المواضيع التي طُرحت وأخذت حيزاً كبيراً من النقاش وصل أحياناً إلى حد الخلاف والشجار والاتهامات المتبادلة بين الحضور، مع العلم بأن نتنياهو وحلفاءه المتدينين قاموا بمقاطعة المؤتمر، وكان هاجس الجميع هو كيف يمكن إيقاف تفكك الكيان، وإمكانية حدوث مفاجآت مستقبلية مثلما جرى يوم السابع من تشرين الأول عام 2023، كما برز محور العلاقات المستقبلية بين الكيان والولايات المتحدة الأمريكية.. وهل يستطيع الكيان أن يعيش دون دعم الولايات المتحدة؟

ومن المحاور الأساسية التي نوقشت في المؤتمر أيضاً، ما يسمى الأمن القومي والصمود الوطني والترابط بينهما في ظل الواقع الأمني الذي يعيشه الكيان منذ تسعة أشهر وانعكاساته على مختلف الجوانب، والملف النووي الإيراني، النظام العالمي، النظام الإقليمي، وموقع الكيان فيه.. ملف اللاسامية، ملف الأسرى، الأمن الداخلي للكيان، جبهتا الشمال والجنوب، ساحة الحرب الإعلامية، الذكاء الاصطناعي وغير ذلك.

وكانت أبرز القضايا في النقاش وبقوة هي قضية التصدع الذي أصاب حكومة الاحتلال نتيجة ضربتين مؤلمتين تلقتهما في آن واحد.. الأولى هي قرار محكمة الكيان العليا بتجنيد الحريديم، المتدينين منهم والمتشددين دينياً وإيقاف مدارسهم التعليمية، وهو قرار يضع الحكومة أمام خطر التفكك في حال انسحاب الأحزاب الدينية والداعمة لها من الائتلاف، والضربة الثانية هي الاستقطاب الشديد بين مكوّني الحكومة، أعضاء كتلة الليكود من جهة وأحزاب الائتلاف من جهة أخرى، في أعقاب تصريحات رئيس مجلس الأمن القومي تساحي هلفي الأقرب لنتنياهو، بأن النصر الحتمي والقضاء على حماس شعارات يستحيل تحقيقها، وهو ما توافق مع تصريحات رئيس أركان الجيش  هرتسي هاليفي وأمنيين وعسكريين آخرين يعارضون سياسة نتنياهو تجاه غزة.

وما يلفت النظر في المؤتمر أنه رغم الخلافات حول المحاور التي جئنا على ذكرها أعلاه، كان هناك اتفاق في النقاش حول جبهة الشمال، إذ لم تطرح المواقف الداعية للحرب، مع جعل الأولوية لصفقة الأسرى.

باختصار، رئيس المؤتمر أكد أهمية وقف مظاهر تفكك الكيان، لأن هذا الكيان يقف الآن أمام مفترق طرق لم يسبق له مثيل في التاريخ، وأنه أمام إمكانية الوصول إلى الهاوية.

العدد 1194 - 15/04/2026