حول قضية توزيع الثروة والدخل والفوارق الطبقية
يونس صالح:
كانت الأدبيات الماركسية تهتم بقضية الثروة وتوزيع الدخل والفوارق الطبقية التي تنشأ عن ذلك.. وكان التحليل الماركسي يعزو هذه الفوارق لما أسماه الملكية الخاصة، وكان الماركسيون ينادون بتذويب الفوارق وإنهاء المجتمع الطبقي.
إنها حكاية الثراء والفقر من منظور ماركسي.
والآن، بعد أن تراجعت هذه الأدبيات، برزت القضية نفسها، ولكن من خلال أدبيات ومنظمات ليبرالية ورأسمالية. فالبرامج الإنمائية للأمم المتحدة وتقاريرها تتحدث عن كارثة توزيع الدخل في العالم.
تقول أرقام الأمم المتحدة إنه في عام 1960 كان أغنى 20% من سكان العالم يحوزون على 70% من دخل العالم، لكنهم في عام 2012 أصبحوا يحوزون على 85% من هذا الدخل.. وفي المقابل، ضم أدنى السلم 20% آخرين، وهم الأفقر أو الأدنى دخلاً (وصرنا نحن منهم)، كان نصيبهم في عام المقارنة الأولى 2.3% من الدخل، فأصبح 1.4% عام 2012.
في عام 1960 كان التفاوت كبيراً، لكنه بعد أكثر من ستين عاماً من التقدم الاقتصادي والاجتماعي في العالم، أصبح أشد اتساعاً وأشد خطورة.
إن تقارير الأمم المتحدة تصرح وتقترح الكثير في مجال (الأمن الاجتماعي)، لكنها لم تعرض الأسباب والنتائج.
لماذا يشهد العالم وليست المجتمعات المتخلفة وحدها، إنما الصناعية أيضاً، ظاهرة تركز الثروة؟ لماذا يزداد الأغنياء استحواذاً على ثروات العالم؟ ولماذا يحدث المزيد من تهميش الهامشيين؟ وما هي النتائج المترتبة على ذلك؟ ولماذا تهتم منظمة دولية تعني بشؤون التنمية، بقضية توزيع الدخل والفوارق بين الطبقات؟
أظن أننا يمكن أن نستنتج العديد من الأسباب التي أدت إلى هذه الظاهرة.. فقد سبق نمو الأفراد وزيادة عدد الأغنياء وثرواتهم، نموُّ نصيب الدول الصناعية المتقدمة من الناتج المحلي العالمي.. كانت سنوات (1960-1990) هي سنوات الاستقلال ومحاولة البناء في العالم الثالث.. وجرى تقسيم العمل الدولي بين الشمال والجنوب لصالح الطرف الأول.. وأصبحت تنمية العالم الثالث وتسليحه هي السوق الواسعة التي يرتع فيها العالم الأول، كما يقال، الذي احتكر العلم والمعرفة والتكنولوجيا، كما احتكر رأس المال.. وبهذين الاثنين احتكر الأسواق.
خلال هذه الفترة عانت الدول النامية من مبادلة غير عادلة، فالشمال الأكثر قوّةً يعمل، باطّراد، على زيادة أثمان ما يقدم من سلع مصنوعة، بينما يعمل، وباطّراد أيضاً، على عكس ذلك بالنسبة للخامات والسلع الأولية التي ينتجها العالم الثالث.. والمثال واضح في قضية النفط الذي أصبح سعره الحقيقي متدنياً الآن بالنسبة لما كان عليه مثلاً في عام 1973. والقصة متكررة في خامات أخرى ربما يكون منها الفوسفات أو غيرها من المنتوجات الأخرى.
كسب الشمال الجولة، وتوزعت مكاسبها على سكانه بالضرورة، فازدادت أعداد الشركات العملاقة ومتعدية الجنسية وزادت قوتها.. ولأن الوحدات الكبيرة- مالية أو صناعية أو تجارية أو زراعية- تعني ثروة كبيرة، فإنه أصبح منطقياً أن يحدث ذلك التركيز في الثروة، وذلك التفاوت في الدخل، وأن يكون معظم العشرين بالمئة الأكثر ثراء من أبناء الشمال، بينما يكون العشرون بالمئة الأفقر، في معظمهم، من أبناء الجنوب.
حدثت الظاهرة، ومازالت مستمرة، ويمكن تناولها من زوايا متعددة.
من زاوية العدل، فنحن أمام وضع أشد إجحافاً وظلماً من ذي قبل.. فالأكثر فقراً تجدهم أقل عمراً وصحة وتعليماً وفرصاً في الحياة، ومن زاوية التنمية فإن الفقر يعيق التنمية.. فهو لا يتيح الفرصة للادخار والتراكم الرأسمالي الذي يولد الاستثمار، وهو يخلق تراكماً من نوع آخر.. حياة غير إنسانية لا تساعد البشر على أن يقدموا خير ما عندهم.
وعلى الجانب الآخر، فإن الثراء المفرط يشجع على الاستهلاك المفرط، ويخلق أنماطاً لا تحتاج إليها المجتمعات، والوضعان معاً: وضع الفقراء ووضع الأثرياء، يخلقان ذلك التوتر الذي ينتقل من توتر اجتماعي محدود إلى توتر دولي، وإلى ثورات اجتماعية.
انطلاقاً من ذلك، فإننا نسمع اليوم- ربما لأول مرة بشكل واضح- عن مفهوم جديد للأمن البشري، وعن نظام للإنذار المبكر ضد الأزمات الاجتماعية التي قد تنشب في هذا البلد أو ذلك، وتبرز مصطلحات جديدة مثل التنمية الوقائية، والتنمية العلاجية.. إنها لغة جديدة بل وسياسة جديدة في منظمات بدأت أعمالها في خدمة الشمال أولاً، ولكنها الآن وربما من منظور أنه لا يمكن أن يتجزّأ أمن العالم وسلامه، وأن رفاهية الشمال مرتبطة بازدهار أسواق الجنوب، ربما من هذا المنظور يقولون الآن: (احذروا الفقر.. واحذروا الظلم الاجتماعي.. إنها قنابل موقوتة!).