الذئب الأمريكي.. والفريسة اللذيذة أوكرانيا!

فادي إلياس نصار:

انبرى قادة الدول الاستعمارية لرفض مبادرة السلام الجدية التي طرحها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من أجل إنهاء الصراع في أوكرانيا، والتي تأتي في الوقت الذي يواصل الجيش الروسي تقدمه الميداني على عدة محاور، وفي ظل الأزمة التي تعيشها أوربا مع صعود قوى اليمين المتطرف في انتخابات البرلمان الأوربي.

وليس مستغرباً أن أول من رفضها لم يكن الرئيس الأوكراني وإنما الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ينس ستولتنبرغ)، ثم تلاه وزير الدفاع الأمريكي (لويد أوستن)، ورئيس الوزراء الألماني (شولتز)، ومن بعدهم جاء رفض زيلنسكي لهذه المبادرة قائلاً عنها: إنها على طريقة هتلر.

بعد ذلك بيومين فقط، صرح أربعة مسؤولين أمريكيين، لشبكة  CNNإن إدارة جو بايدن تتجه نحو رفع الحظر عن انتشار المتعاقدين العسكريين الأمريكيين في أوكرانيا، لمساعدة جيشها في صيانة وإصلاح أنظمة الأسلحة المقدمة من الولايات المتحدة.

 

لماذا المتعاقدون العسكريون؟

آخذين بعين الاعتبار تاريخ الكَذِبِ الأمريكي في هذا الشَّأن (بدؤوا احتلالهم لفيتنام تحت شعار (الاستشارة العسكريّة) للأصدقاء المحليّين، فيما سمّى (هاري ترومان) حربه المُدمِّرة ضد كوريا الشماليّة بأنه مجرد (عمل شرطة)، نجد أن الأمريكي كان دائم البحثِ عن بدائل لوجوده العسكري المباشر على أراضي الدول التي يريد ضمان نهب ثرواتها.

 

المتعاقدون الأشرس

في كل حروبها عندما كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها المستعمرون، يشعرون أنهم بدؤوا بالغرقِ في مستنقع الخسائر، كانوا يستعينون بالمرتزقة، لتقليل خسائرهم من الجنود النظاميين، ولضمان حماية المسؤولين والمؤسسات الحساسة (مكاتب الاستخبارات وغيرها)، كما كانوا يسعون جاهدين، تحت شعارات إعادة الإعمار الرنانة، إلى تحويل شركات القتل والنهب المنظم إلى شركات مقاولات (ذئاب بلباس خراف).

ولعل أبرز وأشرس هؤلاء الوسطاء (المرتزقة) هو رئيس شركة (بلاك ووتر_ Black water) (إريك برينس)(ضابط البحرية الأمريكي السابق، والمستشار الخاص في البيتِ الأبيض في عهد (جورج بوش) الأب، والمقرب جداً من الإنجيليين المتطرفين)، الذي اقترح على القيادة الأمريكية، عام 2018 استخدام متعاقدين عسكريين خاصّين (جيوش مأجورة) للتموضع مكان القوات الأمريكية النظامية، في سورية.

الوحش: بلاك ووتر

تُعد شركة (بلاك ووترBlack wateer) المسؤول الأول عن جرائم الحرب في العراق، وعن انتهاكات حقوق الإنسان التي حصلت في سجن (أبو غريب)، وهي المساهم الأكبر في حرب اليمن منذ بدء عملية (عاصفة الحزم)، والدّاعم والمدرب الأساسي للمجموعات الإرهابية في الحرب السّورية، وصاحبة دور كبير في حروب البوسنة وتدريب الجيش الكرواتي، وفي انقلابات عسكرية في الكثير من الدّول الأفريقيّة وفي أمريكا اللاتينية، كما أوكلت إليها السعودية منذ سنوات قليلة، تنفيذ حملة الاعتقالات الشهيرة، التي طالت عدداً من الأمراء والوزراء ورجال الأعمال، فضلاً عن خدماتها الاستخباراتية الجمة لوكالة الاستخبارات المركزية منذ حرب فيتنام، ضمن برنامج سرّي عُرف باسم (العمليات السوداء)، وليس سراً أنها تتعاون بشكل قوي وعميق مع الموساد الإسرائيلي.

تقوم هذه الشركة بتجنيد الشباب أصحاب البنى الجسدية القوية جداً، من دول إفريقيا وأمريكا اللاتينية عبر إعلانات رسمية تنشرها في الصحف المحلية بالمانشيتات العريضة بالصيغة الترغيبية التالية: (تريد الحصول على عمل يضمن مستقبل أولادك، ويمنحك الجنسية الأمريكية…انتسب إلى صفوفنا)، وبعد أن يوقع الشباب على عقد مع هذه الشركة لمدة خمس سنوات (يمدد تلقائياً)، يخضع لدورات تحوله من كائن بشري إلى وحش حقيقي.. فإن عاد من الحرب سيجد أن الحكومة الأمريكية قد وفت بوعدها وعلمت أولاده في مدارس مجانية ومنحته وعائلته كلها الجنسية الأمريكية، لكن بعد أن تكون قد دمرته تماماً (عادةً يعود فقط أربعة بالمئة من هؤلاء إلى عائلاتهم أحياء معافين، وما تبقى يعودون إما معاقين جسدياً أو عقلياً، أو لا يعودون نهائياً).

 

ماذا بعد الحرب؟!

بعد انتهاء الحرب، سيكون الأوكرانيين في مواجهة مرتزقة، يلعبون دور السجَّان والمحقِّق المتوحش مع أهل البلد الأصليين (على غرار ما حصل في سجن أبو غريب)، ويغتالون من يشاؤون، ويقدمون الحماية والحراسة الكافية لشركات دولية متخصصة ستأتي لنهب ثرواتنا السطحية والباطنية، بحجة إعادة الإعمار.

وسيخرج يوماً ما هؤلاء المرتزقة (بلاك ووترBlack water) وغيرها دون أدنى حساب أو مساءلة، عن جرائمهم، ودون التحقق من قانونية الثروات الطائلة التي جنتها هذه الشركات ومشروعيتها ومصادرها. وذلك كون قادة التحالف الدولي الاستعماري سيفبركون لها، قبل إدخالها الأراضي الاوكرانية، مخرجاً قانونياً يعفيها من أية ملاحقة قانونية على المستوى الأممي، كما حدث في العراق حينَ وقَعَ السفير الأمريكي في العراق (بول بريمر)، عام 2004، قرار سلطة الائتلاف رقم (17)، والذي بموجبه منح الحصانة لكلِّ (المرتزقة) المتعاقدين مع شركات الحماية الأمنية العاملين لحساب قوات متعددة الجنسيات، ما جعلهم لا يخضعون لأيّة ملاحقات قضائية بشأن تصرفاتهم.

 

من برنس إلى البغدادي

بعد أن اقترح مؤسس (بلاك ووتر) في مقابلة مع شبكة (فوكس بزنس) الأمريكية، (استبدال متعهدي خدمات عسكرية خاصة بالقوات الأمريكية المنسحبة من سورية)، ظهرت وثيقة مسرّبة من وزارة التجارة العراقية، فضحت أن من بين الشركات الأجنبية المسجلة لديها (بتاريخ 8/ 2/ 2018) مجموعة (فرونتير سيرفيسز) التابعة لبرنس ذاته (اسمٌ آخر لـ(بلاك ووتر)، مقرها في (هونغ كونغ)، (عرضت على موقعها الإلكتروني خدمات حراسة مسلحة وغير مسلحة، وذلك بحسب موقع (بازفيد Buzzfeed) الأمريكي.

كذلك أكدت تسريبات من السفارة الأمريكية في العراق تقول: أن بلاك ووتر لا تزال تمارس نشاطاتها في العراق وتحديداً في قاعدة (عين عيسى) في تدريب عناصر من تنظيم (داعش)، لافتة إلى أنها ضمّت خلال عام 2018 إلى برامجها نحو ألف من هؤلاء). (تفسير ذلك يعود إلى التكلفة المنخفضة جداً للإرهابي الإسلامي مقارنة مع المجند الأفريقي أو اللاتيني).

إن الشكل الجديد للاستعمار ونهب مقدرات الدول، والذي يتمثل بالمتعاقدين العسكريين.

قد يخلق مبرراً جديداً لاجتماعات طويلة جداً في أروقة الأمم المتحدة ومؤسساتها، ويخلق مناخاً وأرضاً خصبةً لعمل منظمات (NGO)الأذرع الخفية للاستعمار، فتولد بذلك ألف منظمة ومنظمة، بحجة إغاثة الشعب الاوكراني، وتُرصد لذلك البلد مليارات الدولارات، ولكن على الورق، في بياناتٍ وتقارير دولية كاذبة، ليسقط الشعب الأوكراني في نفق الجوع والفقر والأمية، ويعيش بذلك حالة غير محسود عليها تسمى (النوم في العسل).

العدد 1191 - 18/03/2026