حرب غزة والتحولات الكبرى!

د. صياح فرحان عزام:

بات من الواضح أن الحرب (الإسرائيلية) على قطاع غزة ليست مجرد حرب يخوضها جيشٌ نظامي مسلح بأحدث أنواع الأسلحة والتقنيات في العالم، إضافة إلى مشاركة أمريكية فيها ودعم سياسي وإعلامي أمريكي غير محدود، بل هي حرب التحولات العالمية الكبرى، والانقلاب على كل ما كان سائداً منذ قيام كيان الاحتلال الصهيوني، حرب تكتب تاريخاً جديداً ليس لفلسطين فقط، ولكن للنظام العالم بأسره.. إنها ليست حرباً عالمياً، إلا أن نتائجها لن تختلف كثيراً عن نتائج الحربين العالميتين الأولى والثانية، حسب تقديرات عدة باحثين.

– من هذه النتائج، بل في مقدمتها تغيّر ثوابت وقناعات قطاع واسع في الرأي العام الغربي ومن محترفي السياسة في كثير من الدول بشأن كيان الاحتلال الصهيوني (الضحية وواحة الديمقراطية) المحاطة بوحوش مفترسة لا يريدون له (أي للكيان) أمناً ولا استقراراً ولا بقاء، فقد أيقن كثيرون في العالم أن هذه السردية الكاذبة التي جرى تسويقها في الغرب ليست صحيحة أو هي على الأقل مشكوك فيها. وكما قال الفيلسوف الفرنسي ديكارت: (إن الشك هو رأس الحكمة والطريق إلى اليقين).

كثيرون مَن تخلخلت ثوابتهم وتغيرت قناعاتهم، بفعل حرب مستمرة لأكثر من ثمانية شهور، تخللتها مذابح بحق الأطفال والنساء والمدنيين العزّل ارتكبها جيش الاحتلال أو المستوطنون الصهاينة، عدا التدمير الهائل للبنية التحتية ولأكثر من 75% من مساكن غزة، وبالتالي فهذا الشك تحول إلى يقين بسبب هذه الجرائم.

الحرب على غزة ستنتهي إن آجلاً أم عاجلاً، ولعل قرار مجلس الأمن الأخير الذي يطالب بوقف إطلاق النار هو بداية التحرك لإنهاء الحرب، ولكن هذا لن يتمكن من أن يمحو آثارها السياسية، بل ولأكثر من ذلك، ستكشف الأيام المقبلة مزيداً من المستور من الفظائع التي من شأنها أن تزيد من الغضب العالمي على كل من تورط فيها، فصورة الكيان المستعمرة التي كانت قبل عملية طوفان الأقصى، لن تعود إلى ما كانت عليه على تسويقها في الغرب على أنه كيان مظلوم ومحاط بالأعداء ومهدّد بالانقراض، والغضب الشعبي العالمي عليه لن ينقلب إلى رضا عنه وتأييد له.. لن تتراجع إسبانيا والنرويج وإيرلندا وسلوفينيا عن اعترافها بالدولة الفلسطينية، ولن يتناقص عدد الدول المعترفة بالدولة الفلسطينية البالغ 148 دولة، منها 12 دولة أوربية، بل سيزداد.. ولن ينسى أحد أن الحرب على غزة لم تكن حرباً عسكرية فقط، بل كانت حرب حصار وتجويع وحرمان من الماء والدواء والعلاج والطعام وكل ما يتعلق بمتطلبات الحياة.

إن عزلة كيان الاحتلال ستزداد وأزماته الدبلوماسية التي أفرزتها الحرب والتي وصلت إلى سحب سفراء وقطع علاقات مع عواصم عدة، سيكون لها توابع ومضاعفات، ولن يزول الغضب الشعبي عليه في قارات العالم أجمع بين ليلة وضحاها، ولن يغفر الوجدان العالمي لما استخدم الكيان من أسلحة فتاكة وعدم التمييز بين مدني ومسلح، وارتكاب المجازر اليومية، وعدم السماح للهلال الأحمر والمنظمات الدولية بالتحرك حتى لسحب الجثث وإنقاذ الجرحى!

إن انقلاب الشعوب ودول العالم على الثوابت التي كانت قبل طوفان الأقصى، هو انحياز للإنسانية قبل كل شيء، ذلك أن كيان الاحتلال الذي ارتكب جرائم الإبادة وجرائم ضد الإنسانية وخروجه عن القوانين والأعراف الدولية هو الذي جنى عليه، لأنه لم يوفر أحداً، فقد نال من الأمم المتحدة ورئيسها ومنظماتها، خاصة منظمة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) التي أصبحت تحتاج إلى من يغيثها، بعد الاعتداءات الصهيونية على منشآتها ومحاولات وصمها بالإرهاب، كذلك تعامل بتجاهل وازدراء مع قرارات محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية.

إذاً، كيان الاحتلال الصهيوني تحدى العالم، ولكن هذا التحدي جاء بفضل الدعم الأمريكي له عسكرياً وسياسياً، ما جعله يعتبر نفسه دولة فوق القانون.. والأمر المعيب أن الكونغرس الأمريكي صوّت لفرض عقوبات على المحكمة الدولية عندما أصدرت قراراً بحق الرئيس الروسي بوتين، فيما أصبحت المحكمة ظالمة ومنحازة للإرهاب عندما تعاملت بالمثل مع نتنياهو وغالانت.

باختصار.. التحولات الكبرى في العالم لن تتوقف وستمتد إلى ما بعد الحرب على غزة، ولن تكون لصالح الكيان الصهيوني وأمريكا.

العدد 1191 - 18/03/2026