الأنا والآخر.. ونظرية النقد
يونس صالح:
أسئلة تتعدد لكنها ترتد إلى سؤال واحد هو سؤال كل المقدمات، لأنه السؤال المستعاد، يتكرر منذ البدايات بلا ملل، وبلا استنزاف: نحن والآخر؟ هذه المعادلة التي بثنائيتها الضدية في الوعي وفي اللاوعي- قد حولت السؤال السوي إلى سؤال مأزوم، مثلما حولت الحس الفطري إلى مثاقفة مفترسة. وسيظل السؤال متأزماً- ومن حقه أن يظل- مادام متحركاً على قلق التاريخ، أو متأرجحاً على حيرة الحضارة، بل قد يتفاقم السؤال تأزماً ويستفحل استعصاء، إذا تحرك على مراكب السياسة والاقتصاد وتوازنات القوى.. أما إذا كان جوهر الإشكال في ثنائية الأنا والآخر دائراً على العلم ومزروعاً في بساتين المعرفة على اختلاف حدائقها وتباين ما ينبت فيها، وعلى تنوع ثمرها وحصادها، فهي اللحظة الفريدة التي تقوى فيها حظوظ تعاطي المعادلة في وضعها السوي بعيداً عن أعراض التأزم وما ينشأ عليه من اضطراب المزاج الثقافي. ويسوقنا ذلك إلى التطرق إلى مسألة النقد وخطابه.
إننا نريد أن نستقبل خطاب النقد استقبالاً متخلصاً من إحراجات الانكسار الفكري الذي ما انفك يوشح صدر ثقافتنا: في غير مكابرة ولا مجاج، فليس من شمائل المعرفة أو مستلزماتها إلغاء المضمون الفكري لإحضار الذات العاقلة، وليس من جوازاتها أن تتخذ من الانتساب الفكري فضلاً حضارياً نردفه إلى هوية الذات العاقلة في غير صلفٍ إذاً ولا مكابرة.
نعم.. ولكن- أيضاً- في غير إجحاف للنفس تولده المغالاة في نكران الذات، فالتواضع من شيم الفضلاء، لأنه أول بند من بنود عقد المعرفة وأعظم أس في دستور العلم وأخلاق البحث.. وبين الزهد في النفس والزهد في العلم مضائق حرجة كثيراً ما يتعذر فيها استلال حرير السخاء من أشواك الصلف والغرور.
إن أول ما نريد أن نتحدث عنه هو أن نظرية النقد في عصرنا الحديث قد تطورت كما لم يسبق لها أن تتطور من قبل.. والذي نريده أن نتحدث به تالياً هو أن النقد مدين في جلّ ما يعرفه في أيامنا من نماء وتطور إلى المعرفة، فهي القادح لوقود محركه وهي المفجر لثورته الزكية اليافعة.. والمعرفة هي الأخرى تتطور في أيامنا، وتطورها يقتفي نسقاً تذهل من شدة وقعه الأفكار، ولاسيما تلك التي ألفت المراوحة بين كل منعرج فكري، وما يعقبه عادة من مهادنة.
اليوم لم يعد بوسع التاريخ أن يعيد نفسه في مجال النظرية النقدية، لم يعد للسابق أن يفهم قول اللاحق بمجرد الاحتكام إلى المعايير (الإنسانية الخالدة) أو إلى المقاييس (العقلية الثابتة) في سلم النقد.. اليوم إذا عنّ للسابق أن يفهم قول اللاحق تعين عليه أن يستدرك ما فاته من مسافة فاصلة بين محطتين معرفيتين، وعليه أن يستوعب ما به صار اللاحق لاحقاً إذا ما قيس بالسابق، فالسبق واللحاق هما الآن ثقافيان أكثر مما هما زمانيان.
إن أعظم شظية أصابت الإرث النقدي العام هي امّحاء المرجعيات، لأن فكرة الثبات في النظرية النقدية قد زالت زوالاً بائناً، بل من أدرانا؟ فلعل أم المرجعيات قد اهتزت اهتزازاً كبيراً بزلزال انفجار المعرفة. كل شيء يتغير بسرعة خارقة، ويزيل الجديد القديم دوماً، ليصبح الجديد قديماً بعد حين، وينطبق ذلك على كل شيء، ذلك هو جوهر الحياة، ومن يتخلف عن ذلك سوف يطويه التاريخ في زوايا النسيان.