تحذيرات من موت أوربا

د. صياح فرحان عزام:

حذر الرئيس الفرنسي ماكرون مما أسماه (موت أوربا)، وماكرون هو زعيم دولة من أهم الدول الأوربية وأقواها كما هو معروف، الأمر نفسه، أي هذا التحذير الفرنسي، كاد أن يؤكده نظيره المستشار الألماني شولتس، فقد صرح بأنه يؤيد تحذير ماكرون، والتدابير التي اقترحها لجعل قارة أوربا قارة قوية اقتصادياً وسياسياً، وآمنة في الوقت نفسه.

والسؤال: أين جاءت تحذيرات ماكرون؟ جاءت في كلمة ألقاها في جامعة السوربون في باريس، قال فيها: (إن أوربا تواجه خطر إضعافها أو حتى التقليل من وزنها ومرتبتها خلال العقود المقبلة).

وطالب ماكرون في كلمته بوضع استراتيجية دفاعية أوربية تعتمد على صناعة أسلحة مشتركة، وتسريع إعادة التسلح بتمويل من الاتحاد الأوربي من أجل التعامل مع ما أسماه (التهديد الروسي) حسب تعبيره.

إذاً، مازال الرئيس الفرنسي يكرّر مخاوفه المزعومة من روسيا، والدعوة إلى التصدي لها، لدرجة أن تهوّره دفعه مؤخراً إلى تبنّي فكرة إرسال قوات من حلف الأطلسي إلى أوكرانيا للاشتراك في القتال ضد الجيش الروسي، وهي فكرة وصفها العديد من المراقبين السياسيين والعسكريين بـ(الانتحارية)، لأنها ستجرّ الدول الأوربية كلها، وربما العالم بأسره، إلى حرب عالمية أو ما يشبهها، ما جعل موسكو تردّ على لسان مسؤولين وازنين فيها، بأنها يمكن أن تستهدف أية دولة أوربية تتورط ميدانياً في الحرب إلى جانب نظام كييف، وستكون فرنسا أول هذه الدول المستهدفة.

وهكذا يتضح أن ضعف أوربا وتراجع دورها هما نتيجة لتبعية دولها المطلقة للولايات المتحدة الأمريكية قبل أي شيء آخر، وعدم قيامها بوضع استراتيجية مستقلة لها بعيداً عن تبعيتها العمياء للسياسة الأمريكية.

إن هذا الحديث عن ضعف أوربا ليس جديداً، فقد سبق لماكرون نفسه أن أشار إلى ذلك ودعا إلى تشكيل جيش أوربي مستقل يستطيع حماية الأمن الأوربي، بدلاً من الاعتماد في هذه الحماية على الولايات المتحدة، إلا أن دعوته لم تترجم إلى خطوات عملية ولم تلقَ – على ما يبدو- تأييداً أوربياً، أما تحذير ماكرون من (موت أوربا) المحتمل، فهو أخطر بكثير، ولكن لا أحد يعلم حتى الآن ما إذا كان الأوربيون سيأخذون هذا التحذير على محمل الجد.

ومما يجدر ذكره أنه ليست موسكو وحدها التي تشكل مصدر قلق لأوربا، حسب تصورات ماكرون وغيره من الزعماء الأوربيين، بل إن مصدر القلق الآخر لقارة أوربا- حسب المزاعم الأوربية- هو الصين رغم بعدها الجغرافي عن القارة، والسبب الرئيسي لهذا القلق الأوربي المزعوم هو صعودها الاقتصادي وتنامي دورها الكوني، إذ إنها (أي الصين) رسخت أقداماً لها في بلاد الغرب لا يمكن تجاهلها، ولهذا توقف ماكرون في تحذيره أمام تبعات هذا الصعود الاقتصادي الصيني من باب التلميح، حين طالب بإعادة النظر في السياسات التجارية للدول الأوربية في ضوء الإعانات الضخمة التي تقدمها الصين لصناعتها، وطالب بمنح مزايا تفضيلية للمنتجات الأوربية في مجال التكنولوجيات الرئيسية في الاتحاد الأوربي.

باختصار.. من الواضح أن النفوذ الصيني المتنامي في العالم بات يشكل صداعاً لأوربا، إلا أن زعماء القارة الكبار يتجاهلون أن تبعيتهم المطلقة لأمريكا هي مصدر الصداع الأوربي، وهي التي تنذر بموت أوربا.

العدد 1195 - 23/04/2026