حول الجذور الثقافية
يونس صالح:
إلى أي مدى يتأثر إدراكنا للعالم بخلفيتنا الثقافية؟ كيف ندرك العالم؟ ما دور الثقافة الاجتماعية في تحديد معالم وشروط إدراكنا للعالم؟ وفي صوغ صورة العالم؟ وما هو دور الثقافة في تحديد ما نعرفه؟ وما ندركه؟ وأيضاً ما لا ندركه؟
تعتبر الثقافة الاجتماعية في تطورها عاملاً رئيسياً محدداً للإدراك والمعرفة معاً.. أو لنقل للتوجه الإدراكي والمعرفي للإنسان.. ويتجلى هذا في مدى التباين بين الثقافات الاجتماعية وطبيعته، ومن ثم في تباين الأطر الإدراكية واختلاف صورة العالم والتعبير عنه والرمز إليه. ولقد تعددت بحوث العلماء التي تناولت بحث مثل هذه الأسئلة، إلا أن معظمها اعتبر أن فهم المعرفة البشرية على حقيقتها، لا يمكن دون فهم الخصائص والأطر التي تطورت من خلالها تاريخياً، وأهمها:
* نشوء نوعي تاريخي، أي أن لها نشأتها التاريخية المميزة للنوع، وقيام هذا التكيف القدرة على التوحد مع أفراد النوع.
* خاصية تاريخية: وتعني إمكان ظهور أشكال جديدة من آليات التعلم الثقافي والتكوين الاجتماعي، أي التجذر والتطور بفضل التفاعل الاجتماعي مع الزمن. ويتجسد هذا في صورة ثقافية.
* الخاصية الثالثة: أن أفراد البشر يكتسبون المعارف ويستخدمونها حسب الأطر والرموز، أي حسب السياق الثقافي الذي يولدون وينشؤون فيه، ثم تهيأ لهم بفضل هذا الاستيعاب وتغير السياق الاجتماعي قدرة على التعديل والتطوير، يتمثلها أو يتبناها المجتمع بعد ذلك لما فيه من جدوى ونفع.
إن معنى كل ذلك هو أن أطفال البشر يولدون ويلتقون ويتفاعلون مع عوالمهم الطبيعية والاجتماعية بشكل كامل إلى حد كبير، من خلال عدسات وسيطة هي الثقافة، بما تحتويه من مقاصد مبتكريها من السلف.
وجدير بالملاحظة هنا أن المجتمعات البشرية تتمايز فيما بينها على أساس كمّ المعارف المتراكمة ونوعها، والسياق الذي تجري فيه عملية التغذية أو التلقين المعرفي والتنشئة بعامة.. وطبيعي أن حصاد المجتمعات الراكدة أو رصيدها المعرفي أقل من حيث الكم، وجامد ومتخلف من حيث النوع. وتتصف ثقافة المجتمعات الراكدة بالجمود والتعصب للقديم، وعدم التسامح مع كل تعديل أو تطوير جديد، على عكس مجتمعات الفعالية الاجتماعية النشيطة، فإن سياقها الثقافي يتصف بالديناميكية، والمرونة والقدرة على التكيف السريع مع المتغيرات، وهو ما يهيئ لها فرصاً أفضل للبقاء والتقدم والمنافسة.
وطبيعي أنه في حالة غياب عنصر الفعل النشط الفردي والاجتماعي الإنتاجي، تأخذ الكلمة صورة الاستقلال الذاتي، باعتبارها وعي الروح الفردي المثالي، وتشكل الثقافة – اللغة بذلك قيداً على أبناء المجتمع وتحدّ من قدراتهم الإبداعية منذ النشأة الباكرة، وبالتالي يكون الهم منحصراً في الحفاظ على اللغة الرمز- الكلمة، دون تغيير، بدعوى الحفاظ على الهوية، لأن اللغة هي الهوية اللازمانية واللاتاريخية المجردة من الفعل، ولأنها هي الخاصية الحضارية، دونها يغدو الوجود في نظر هؤلاء صفراً من كل شيء، كأن الحضارة هنا رسوم أو صياغة كلامية، ومضامين تقليدية لا تاريخية الدلالة، وليست الحضارة فكراً وقيماً ونشاطاً إبداعياً، ولهذا يكون أبناء هذه الثقافات يعرفون الكلمة، أو أسماء الأشياء لا الأشياء ذاتها، ويحلّقون بخيالاتهم مع أسماء القصص الموروثة التي لا ظل لها في الواقع، ويعتمدون على النظر المجرد دون الفعل التطبيقي النشط، ويعانون من مسافة فاصلة بين الفكر النظري المجرد والعملي التطبيقي، وتعتمد مجتمعات الثقافات تلك على التلقين أساساً، وعلى التغيير من شخص كبير ناصح هو الحجة، وغالباً ما يكون التفسير لغوياً، ويعتمد على برهان لغوي، ويكون للإطار أو للمنظور اللغوي المكانة العليا في المجتمع. ولهذا ينشأ الأطفال في هذا المجتمع ملزَمين عملياً بالتعلّم من الكبار، عن طريق ملاحظة أدائهم لبعض الممارسات والمهارات، وانتظار المعلومة أو التعليمات منهم، كمصدر للمعرفة ومرجع معتمد مع الخوف من الجنوح.
صفوة القول
إن الثقافة هي مصنوع فني اجتماعي، أو أداة تكيّف متطورة تعدل في تفاعلها مع وظيفتها الاجتماعية المتطورة والتي نشأت اجتماعياً لأدائها، وتغدو الثقافة السائدة دالة على ما يشغل عقل المجتمع أو يحتل مكان الصدارة والأولوية في عقله ويرصد له جهده.. وانطلاقاً من ذلك، حريٌّ بنا أن نناقش واقعنا من منظور منهج علمي يؤدي إلى نشوء ثقافة إبداع فكري فاعل، لا ثقافة الكلمة والشفاهية، ثقافة تبدع المعارف وتراكمها في اتصال وتطور جدلي بين الفكر والواقع، وتضع أقدامنا على طريق التجديد والتطوير الخلاق الذي يؤسس الوجود الاجتماعي المكين والإرادة والإيمان بالذات فرداً أو مجتمعاً.