قِصَر نظر استراتيجي
د. صياح فرحان عزام:
في الآونة الأخيرة كثرت الأحاديث الأمريكية والأطلسية عن الإصرار على هزيمة روسيا في أوكرانيا، منها الكلام الذي ردّده أوستن (وزير الدفاع الأمريكي) إذ قال: (إن الولايات المتحدة وحلفاءها لن يسمحوا لبوتين بهزيمة أوكرانيا). أما أمين عام حلف الأطلسي بنس ستولتنبرغ فقد أعلن خلال زيارته السرية لكييف قبل أيام واجتماعه مع فلودومير زيلينسكي قائلاً: (إن أولوية الحلف تتمثل بضمان تغلب أوكرانيا في الحرب الدائرة على روسيا وتزويدها بما تحتاج إليه لتحقيق ذلك، بمعنى هزيمة روسيا).
بطبيعة الحال، مثل هذا الكلام يعني أول ما يعنيه إصرار أمريكا وحلفائها في الناتو على استمرار المدد العسكري الغربي لأوكرانيا، لاسيما أن زيلينسكي مصّر على أن تبقى بلاده مطيّة لتحقيق أهداف أمريكية محضة، فيما يعاني سكان أوكرانيا الأمرّين بسبب هذه الحرب التي دخلت عامها الثاني، كما يعكس هذا الكلام تفكيراً أمريكياً وغربياً بأن المواجهة الاستراتيجية لروسيا دخلت مرحلة جديدة تعبّر عن جنوح فعلي نحو مواجهة مفتوحة مع روسيا والصين معاً، وذلك نظراً لشعور أمريكا وحلفائها بأنهم يفقدون أولاً بأول الكثير من أوراق القوة التي تمكّنهم من الاحتفاظ بموقع القيادة الدولية، والتربع على عرش العالم، من دون أي شريك أو منافس، ولهذا الغرض بالذات يجري استخدام أوراق أوكرانيا وتايوان.
بالمقابل، لا يخفى على روسيا والصين أن الغرب يعد خططاً لوضعهما في حالة الدفاع عن النفس، الأمر الذي دفع موسكو وبكين إلى العمل على تعزيز تحالفهما الاستراتيجي في مختلف الميادين، خاصة في المجال العسكري.
وفي هذا السياق حذر الخبير والدبلوماسي الأمريكي السابق فيليب لندرمان في مقالة نشرها في صحيفة (ذا أمريكان كونسيرفاتيف)، من مغبة المخاطرة لتحقيق نصر نهائي على روسيا في النزاع بأوكرانيا، لأن مثل هذا التفكير الرغائبي قد يقود إلى كارثة عالمية، مستنداً في ذلك ما ألمح إليه ميدفيديف (نائب رئيس مجلس الأمن القومي الروسي)، عندما قال في تصريح أدلى به: (إن العالم سيكون على شفا صراع عالمي في حال أرادت الولايات المتحدة الأمريكية هزيمة روسيا).. وهذا ما حذر منه أيضاً السفير الروسي لدى واشنطن أناتولي أنطونوف بقوله: إن روسيا حذرت الولايات المتحدة باستمرار من أن مراهنتها على هزيمة روسيا يقود العالم بسرعة إلى سيناريو كارثي.
ويجمع العديد من الخبراء العسكريين والسياسيين على أن الحديث الأمريكي والغربي عن هزيمة روسيا في أوكرانيا فيه شيء كثير من قِصر النظر الاستراتيجي، لأنه يتجاهل أن روسيا دولة نووية، وتمتلك أحدث أنواع الأسلحة المتطورة جداً، هذا أولاً، وثانياً لم يأخذ أصحاب هذا الكلام عن إمكانية هزيمة روسيا العِبَر والدروس من حروب أمريكا السابقة والفاشلة، ففي الحرب الأمريكية على فيتنام هُزمت أمريكا مع تكبّدها سبعة وخمسين ألف قتيل في مواجهتها لمقاتلي الفيتكونغ.. وفي أفغانستان انسحبت واشنطن بعد عشرين عاماً من احتلالها انسحاباً مذلّاً وعشوائياً. وفي حربها على العراق واحتلاله لم تكن في أفضل حال كما كانت تخطط لذلك.
والأمر المهم أكثر أو العبرة التي لم تأخذها واشنطن بالحسبان هي أن روسيا دولة نووية وقدراتها العسكرية ليست متواضعة كقدرات البلاد التي غزتها مثل أفغانستان والعراق وقبل ذلك فيتنام، كما ذكرنا قبل قليل.
وهكذا نخلص إلى القول إن الحديث الأمريكي والأطلسي عن هزيمة روسيا هو مجرد (هراء)، وهو بهدف التهويل فقط، ومن أجل أن تبقى واشنطن مهيمنة على القارة الأوربية.
على كلّ حال، الرعونة الأمريكية قد تقود إلى كارثة عالمية.