وثائق أمريكا السرية.. تكشف نفاقها!
د. صياح فرحان عزام:
في الآونة الأخيرة تسربت بعض الوثائق السرية لوزارة الدفاع الأمريكية وأحدثت دوياً هائلاً، وقرعت جرس إنذار ينبّه إلى أن ما أفشت به هذه الوثائق يعد اختراقاً للأمن القومي الأمريكي، ونفاذاً إلى أدقّ أسرارها العسكرية، كما ستكون له عواقب وخيمة على سياسة الولايات المتحدة الخارجية بعد كسر ثقة العديد من الحلفاء والأصدقاء نتيجة لتجسس واشنطن عليهم وعلى قادتهم، لدرجة وصل الأمر ببعض هؤلاء الحلفاء والأصدقاء إلى طلب عقد قمم مع أمريكا لبحث ما حصل، وقد أعلنت ذلك مثلاً كوريا الجنوبية.
ومنذ اللحظات الأولى لهذا التسرب أو التسريب، عكفت أجهزة البنتاغون على حلّ لغز تسرّب الوثائق الرسمية، ومحاولة الكشف عن الشخص المسؤول عن اقتحام الخزائن المغلقة ومعرفة الفاعل والإجابة عن السؤال: هل الوثائق تسرّبت أم سُرقت؟
وجاءت المفاجأة بإعلان القبض في مدينة بوسطن على شخص يدعى جاك تايكسيريا للاشتباه بأنه المجهول حتى حينه، الذي سرّب الوثائق إلى وسائل التواصل الاجتماعي، وتبيّن أنه عضو في وحدة مخابراتية بجهاز الطيران بولاية ماساشوسيتس، وقد فتحت هذه المفاجأة الباب لمناقشات عن قابلية الأمن القومي للاختراق.
وسارع مسؤولون بالبنتاغون بإيضاح أنه من المسموح لعدد من الأشخاص بالاطلاع على آلاف إن لم يكن عشرات الألوف من الوثائق السرية، واتضح مبدئياً أن من بينهم المشتبه به المقبوض عليه الآن. وقبل إلقاء القبض على المتهم، كانت البيانات الرسمية الأمريكية في حال من التناقض ما بين التشكيك في كونها وثائق حقيقية، واتهام روسيا بأنها وراء التسريب، وحين سألت شبكة سي إن إن المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف عن هذا الاتهام قال: (تلك هي عادتهم في إلقاء اللوم على روسيا في كل شيء وأي شيء، وإن ما نشر عن تجسس الولايات المتحدة على دول تربطها بها علاقات وثيقة، ليس مما يدعو للدهشة ولا يعد مفاجأة).
وفي مقابل ذلك قال مسؤول أمريكي لشبكة (سي إن إن) إن الوثائق تبدو حقيقية، وأظهرت اطلاع المخابرات الأمريكية على خطط روسيا العسكرية، وهذا ما يبعد الشبهة عن روسيا، وليس هناك سبب للتشكيك في الوثائق.
بطبيعة الحال، وأمام ما بدأ يتأكد أن الوثائق حقيقية ولا مجال للتشكيك بها، فإن تأثيراتها بدأت تنعكس على حلفاء الولايات المتحدة، بعد أن أظهرت أنها تتجسس عليهم مثلما تتجسس على خصومها.
في البداية حاولت أمريكا نفي التهمة لها بالتجسس عبر تصريح لوزير الدفاع لويد أوستن، بقوله إن عدداً من الوثائق قد تم تزويرها، لكن مع تناقض التصريحات الأمريكية وواقعة إلقاء القبض على الطيار جاك تايكسيا، بادرت حكومة كوريا الجنوبية الحليفة للولايات المتحدة بالإعلان عن أنها سوف تناقش هذه القضية في اجتماع قمة قريباً جداً مع الولايات المتحدة، والمعروف أن أمريكا تجمعها في إطار ما يعرف بمجموعة التعاون المخابراتي علاقات عدة دول تضم بريطانيا وأستراليا ونيوزيلندا وكندا.
وعلقت على ذلك صحيفة (نيويورك تايمز)، بأن هذه الوثائق سوف تعقّد علاقات أمريكا بحلفائها، وهو الأمر نفسه الذي ذكره مسؤول كبير في المخابرات الأمريكية بأن ما جرى كان مؤلماً، وسيؤدي إلى تقليص التشاور المعلوماتي مع مخابرات الحلفاء، وسيضرّ بالعلاقات الخارجية المهمة للولايات المتحدة.
ومن إجمالي المشاهد التي تجمعت حتى الآن لهذا المشهد، فإن مصادر أمريكية راحت تستخلص بعضاً من النتائج الخطيرة لما حدث، ومن بينها الاختراق الخطير لجهود دور المخابرات الأمريكية المركزية في حرب أوكرانيا، وأيضاً ما نقلته صحيفة نيويورك تايمز، عن محللين مختصين بمتابعة تلك الواقعة من أن جزءاً من الوثائق يزود روسيا بمعلومات حساسة وقيّمة عن جداول تسليم الأسلحة لأوكرانيا ودعم قواتها، وتفاصيل قد لا تكون معروفة عما يجري في حرب أوكرانيا.
أيضاً سيؤثر كشف هذه الوثائق على دول العالم وبضمنها دول الشرق الأوسط التي تجمعها علاقات قوية مع واشنطن، ويتكشف لها أنها تتجسّس عليها.