واشنطن تسعى لإقامة (ناتو) آسيوي!
د. صياح فرحان عزام:
في ضوء استمرار الحرب الأوكرانية التي اختلقها الغرب بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية ودخول العديد من الأطراف فيها، يبدو أن هذا الوضع سيقود العالم إلى إنشاء تكتلات ومحاور عسكرية وسياسية، وذلك بسبب النهج الذي يسلكه الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية، فهو يسعى إلى إثارة الحروب وزيادة الصراعات والنزاعات في أغلب أنحاء العالم، بدلاً من إيجاد حلول للنزاعات القائمة.
وخير مثال على ذلك، مساعي هذا الغرب لاستنزاف روسيا، بهدف إضعافها وإلحاق الهزيمة بها وتقسيمها بعد توسيع العقوبات الاقتصادية والحصار السياسي، كما حصل للاتحاد السوفييتي السابق، لكن الغرب في مساعيه العدوانية هذه يتجاهل الكثير من الحقائق التي برزت ولم تكن موجودة عند انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، فما هي أبرز هذه الحقائق؟
أولى هذه الحقائق: ظهور الصين كلاعب دولي كبير، وتعافي روسيا من الوهن المؤقت الذي تركه انهيار الصرح السوفييتي، ثم اتساع الكراهية للولايات المتحدة الأمريكية وازديادها على نطاق العالم ومساحته، بسبب الغطرسة التي انتهجتها خلال العقود الثلاثة الماضية، باعتبارها أصبحت القوة الكبرى الوحيدة على الساحة الدولية، الأمر الذي جعلها تصم أذنيها عن كل التحذيرات الروسية والصينية لها، من توسيع حلف الناتو شرقاً، بل وتعاملت مع هذه التحذيرات باستهتار واستخفاف وعنجهية غير مسبوقة.
مؤخراً استذكر عضو مجلس الدوما الروسي أليكس بوشكوف سخرية الرئيس الأمريكي بايدن قبل عقود عندما كان عضواً في مجلس الشيوخ، من تحذير مسؤولين روس له من التقارب بين روسيا والصين إن لم يتوقف الناتو عن الزحف شرقاً.
وفي مقابلة مع قناة روسيا اليوم الإخبارية قال بوشكوف: (إن الجنون الذي يسود الغرب الآن، يشبه الجنون الذي استحوذ على أوربا عشية الحرب العالمية الأولى، عندما كانت الأطراف تسعى جاهدة للصراع فيما بينها، والآن هم يصممون على مواجهة روسيا، وصرحوا بشكل علني أنهم في حالة حرب معها، وأن الناتو يتحرك بأقصى سرعة نحو صراع عسكري مع روسيا بشكل مباشر، متجاهلاً كل قيود وحدود الدعم العسكري لأوكرانيا التي فرضها الحلف على نفسه سابقاً.
وقد تزامن ذلك مع ما نشرته مصادر صحفية أمريكية بأن روسيا والصين ستسيطران على الشرق الأوسط في القريب العاجل، بسبب سياسات الرئيس الأمريكي بايدن التي أفقدته هذه السيطرة.
وذكرت المصادر الصحفية أيضاً أن الولايات المتحدة بقيادة الرئيس الحالي بايدن ستفقد سيطرتها على منطقة الشرق الأوسط وستقدمها هدية لروسيا والصين، مشيرة إلى أن أية قوى عظمى تسيطر على هذا الجزء من العالم، ستمتلك ميزات استراتيجية كبيرة على منافسيها، وأن الولايات المتحدة بدأت تفقد نفوذها تدريجياً، وأنها أصبحت قوة من الدرجة الثانية.
ويرى كثير من المراقبين أن الاجتماع الأخير بين الرئيسين الروسي بوتين والصيني شي جين بينغ أدى إلى ظهور نظام عالم جديد أوراسي قلب الموازين، وجعل روسيا والصين اللاعبين المهيمنين في الساحة العالمية، وزاد من عزلة الولايات المتحدة، وبدلاً من أن تسعى الولايات المتحدة إلى تدارك الأخطاء من خلال إيجاد حلول توافقية وعادلة للأزمات الدولية التي اختلقتها لكل من الصين وروسيا من أجل إبقاء هيمنتها وهيمنة حلفائها في الغرب على العالم وتسييره وفقاً لمصالحها الخاصة، فإنها تلجأ للإمعان في سياساتها العدوانية بدعم النظام النازي في أوكرانيا ومنعه من التفاوض مع روسيا، واستفزاز الصين في تايوان وبحر الصين الجنوبي، وفرض المزيد من العقوبات والحصار على الطرفين الروسي والصيني، بل أكثر من ذلك تعمل الولايات المتحدة على تشكيل تحالفات عسكرية في آسيا، وهذا ما يكشفه اقتراح كندا وهي من حلفاء واشنطن المهمين، لإقامة تحالف يضم كوريا الجنوبية واليابان، بحيث يكون مشابهاً للتحالف الأمني الرباعي غير الرسمي (كواد) الذي يجمع أستراليا والهند واليابان والولايات المتحدة، بمعنى أن الولايات المتحدة تسعى لتشكيل (ناتو آسيوي) بهدف خلق متاعب لكل من الصين وروسيا، ويقود إلى المزيد من الصراعات العالمية التي تتغذى عليها ومنها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها الأوربيون.
ويأتي في هذا السياق من التحريض على روسيا والصين وكوريا الديمقراطية، إلحاح واشنطن على رئيس كوريا الجنوبية لزيارة اليابان وتحسين العلاقات معها.. وبالفعل تمت هذه الزيارة (التصالحية) وهي أول زيارة لرئيس كوريا الجنوبية لليابان منذ عام 2011، علماً بأن هناك معارضة شعبية واسعة في كوريا الجنوبية للتصالح مع اليابان التي لم تعتذر عن حقبة استعمارها لكوريا الجنوبية.
هذه هي سياسة الولايات المتحدة، لم ولن تتغير في مجال إثارة الصراعات وإقامة التحالفات المشبوهة.