السياسة الأمريكية و(الزر الخطأ)!

د. صياح فرحان عزام:

في الاجتماع السنوي للبرلمان الصيني يوم السابع من آذار 2023، أعلن وزير الخارجية الصيني تشين جانغ أن العلاقات بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية تتخذ مساراً متصاعداً من التوتر، ولا تؤشر بوضعها الحالي إلى إمكانية الوصول إلى موقف مشترك يبقي العلاقات بينهما في إطار التنافس، والسبب هو السياسات الاستفزازية التي تتبعها الولايات المتحدة بدءاً من دعم تايوان والسعي المحموم لفصلها نهائياً عن الصين، واتهامها الباطل لبكين بتزويد روسيا بالأسلحة دعماً لعمليتها العسكرية في أوكرانيا، إضافة إلى الحرب الاقتصادية والتقنية الأمريكية، ثم اختراع قضية المنطاد الصيني الاستكشافي للطقس والتي ادعت واشنطن أنه للتجسس عليها، وقامت بإسقاطه.

وشبّه وزير الخارجية الصيني في حديثه سياسات الولايات المتحدة بـ(الزر الأول إذا وضعته خطأً في غير محله، فإن بقية الأزرار سوف توضع بشكل خاطئ)، بمعنى أن الخطوة الأمريكية الأولى الخاطئة سوف تجعل من بقية الخطوات خطأ أيضاً.

إنه تشبيه موفق ومعبّر بدقّة عن السياسة الأمريكية التي تفوح منها رائحة العدوان والخطأ، وأوضح في سياق حديثه أن واشنطن تدّعي أنها لا تسعى إلى صراع مع الصين، لكن هذا الادعاء ليس صحيحاً في الممارسة العملية، وأن الصين لا تستجيب للكلمات، وأن محاولات تطويقها مصيرها الفشل الذريع، وشدّد على أن تايوان صينية ولا يحق لأحد التدخل في شؤونها، وأن حلها هو شأن صيني خاص، وهي في الوقت نفسه خط آحمر لا يجب تجاوزه، كما رفض بشدة الاتهامات الأمريكية بإرسال أسلحة إلى روسيا، مؤكداً أن بلاده لا تقدم أسلحة لأي طرف، لكنها تعارض مساعي تخريب محادثات السلام بمعايير مزدوجة وعقوبات وضغوط متنوعة.

ونصح الوزير الصيني في معرض حديثه الولايات المتحدة بأنه إذا كانت تطمح إلى جعل نفسها (دولة عظمى) مرة أخرى، فيجب أن يكون لديها عقل يتسع تطور بلدان أخرى، فأسلوب القمع والاحتواء لن يجعل أمريكا عظيمة، ولن يوقف تقدم وتطور الصين، محذراً من أنه (إذا لم تغير الولايات المتحدة مسارها فسيكون هناك صراع ومواجهة).

بالطبع هذا الكلام حول الاستفزازات الأمريكية للصين، يشير بوضوح إلى أن البلدين يقفان على شفير مواجهة فعلية، وأن الصين باتت تدرك أن واشنطن تتجه لخلق الأزمات مع الصين وغيرها، لأخذ العلاقات إلى مزيد من التوتر والتصعيد، وأنها لا تراعي مصالح الصين كأساس للعلاقات الطبيعية بين البلدين، ثم إن وجهات النظر الأمريكية عن الصين (مشوهة للغاية)، فهي تعد الصين منافسها الأساسي وأكبر تحد جيوسياسي لها، وختم حديثه بالقول: (كلما ازدادت الاضطرابات في العالم، ازدادت الضرورة لتقدم وتوطيد العلاقات الصينية – الروسية ودفعها إلى الأمام عبر خطوات ثابتة، مؤكداً أن هذه العلاقات لا تشكل تهديداً لأحد، وهو بهذا يشير بوضوح وجرأة، ويرسل رسالة واضحة إلى الإدارة الأمريكية بأن الرهان على انفصام العلاقة بين بكين وموسكو، أو محاولة دق إسفين بينهما أمر مستحيل.

وجاءت زيارة الرئيس الصيني لموسكو مؤخراً ومباحثاته المعمقة مع الرئيس الروسي، والكلمات المتبادلة، لتؤكد أن العلاقة الروسية –الصينية، استراتيجية ومتينة، وفي تطور مستمر، وهذا لصالح البلدين ولصالح العالم أجمع.

وفي هذا السياق من المهم الإشارة إلى أن الصين تتضامن مع موسكو في مواجهة الغرب، وهذا ما قاله الرئيس الصيني في ختام زيارته لروسيا مؤخراً، وأردف قائلاً أيضاً: (إن هناك تغييرات لم تحدث منذ مئة عام، وعندما تجتمع روسيا والصين معاً، فإنهما ستقودان هذا التغيير)، في حين رد الرئيس الروسي عليه بقوله: (أتفق معك).

 

العدد 1195 - 23/04/2026