زيارة بايدن لأوكرانيا ورسائلها الاستفزازية!

د. صياح فرحان عزام:

مؤخراً قام الرئيس الأمريكي جو بايدن بزيارة سرية إلى كييف، عاصمة أوكرانيا، واجتمع مع الرئيس فولوديمير زيلنسكي في إحدى كنائس المدينة، وتزامنت هذه الزيارة مع حلول الذكرى الأولى للعملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا، التي بدأت في 24 شباط عام 2022. ويبدو أنه أراد من زيارته في هذا التوقيت بالذات، أن يوجه عدة رسائل إلى موسكو منها:

  • أن الحرب في أوكرانيا هي حرب أمريكية بالدرجة الأولى، وأن أوكرانيا هي مجرد أداة يستخدمها بالنيابة عن بلاده، وليس مهماً عنده أن يتم تدمير أوكرانيا وقتل مئات الآلاف من أبنائها وتدمير بناها التحتية.
  • والرسالة الثانية أن الولايات أن الولايات المتحدة لن تقبل بهزيمة أوكرانيا وستواصل دعمها لها عسكرياً وسياسياً، مدعياً أن الرئيس بوتين عندما قام بهذه الحرب كان يعتقد أنها ضعيفة، وأن الغرب منقسم، وأنه لا يمكن أن يصمد أمام أمريكا وحلف الناتو، لكنه – حسب زعمه- كان مخطئاً. وأضاف قائلاً: (لقد أنشأنا تحالفاً من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادي للدفاع عن أوكرانيا، بدعم عسكري واقتصادي غير مسبوق)!
  • والرسالة الثالثة تأكيد بايدن أنه يجب ألا تكون هناك شكوك حول دعم بلاده لأوكرانيا، وهذا التأكيد دفع الرئيس زيلنكسي إلى إظهار المزيد من التفاؤل بما أسماه (حتمية الانتصار) على روسيا هذا العام- حسب توقعه- وأن روسيا لن تنتصر.

ما يلفت النظر في كلمات بايدن من خلال استخدامه عبارتي (أمامنا) و(أنشأنا تحالفاً)، أنه يقصد بذلك الولايات المتحدة والدول الغربية وليس أوكرانيا فقط، وأراد بايدن عبر هاتين العبارتين أن يصور للعالم أن الرئيس بوتين استهدف بعمليته العسكرية الخاصة الدول الغربية، وهذا نفاق واضح، وتحريض للدول الأوربية لتبقى على دعمها لأوكرانيا ولو على حساب مصلحة شعوبها، بل ولتزيد هذا الدعم العسكري بمختلف أنواع الأسلحة والدعم المالي والمساعدات الأخرى.

وهذا ما يؤكد أن الحرب في أوكرانيا هي حرب أمريكية بالدرجة الأولى تخوضها منذ عام دون أن تخسر جندياً واحداً على الأرض من جهة، ويشير أيضاً إلى أن أوربا هي التي تحملت وماتزال تبعات هذه الحرب، ولاسيما انعكاساتها السلبية على مواردها وشعوبها.

ولكن من الواضح من خلال كلمات بايدن أن الولايات المتحدة متورطة بشكل مباشر في هذه الحرب، وستتورط أكثر فأكثر ولاسيما بعد ظهور عجز أوكرانيا رغم الدعم الأمريكي والأوربي، عن تحقيق الانتصار الموعد، وأن العملية العسكرية الروسية تسير كما هو مخطط لها نحو تحقيق أهدافها.

ومن هذه الرسائل الأمريكية التي جاءت على لسان بايدن أن لا مجال لأي حل سياسي عبر المفاوضات لإنهاء هذه الحرب، الأمر الذي يشير إلى أن تورط أمريكا فيها هدفه الأول الحيلولة بأي ثمن دون قيام نظام دولي جديد ينهي التفرد الأمريكي بزعامة العالم والهيمنة عليه.

وقد رد الرئيس بوتين على هذه الرسائل الأمريكية العدوانية والوقحة رداً منطقياً وواقعياً في خطابه أمام الجمعية الفيدرالية الروسية يوم 21/2/2023 بالقول: (إن روسيا تواجه خطراً وجودياً، وأنه من المستحيل هزيمتها في أرض المعركة).. إلى جانب ذلك اتهم الدول الغربية بـ(النفاق) عبر استخدام أوكرانيا كواجهة لمواجهة روسيا بهدف تحويل وجهة الحرب من حرب محلية إلى حرب عالمية.

وأشار بوتين إلى عدة حقائق منها أن الولايات المتحدة الأمريكية هي الدولة الوحيدة التي تملك عدداً كبيراً من القواعد العسكرية في أنحاء العالم المختلفة، كما ذكر الولايات المتحدة بأنها قتلت قرابة مليون نسمة في هذا القرن.

ومن الواضح أن رسائل بايدن تفوح منها رائحة العدوان والإصرار على المحافظة على هيمنتها على العالم باستخدام الحروب، وخلق الصراعات هنا وهناك في محاولات يائسة للحفاظ على إمبراطوريتها التي بدأت تتلاشى خاصة مع بروز معالم تشكل نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب.

 

العدد 1195 - 23/04/2026