شولتس في بكين.. لماذا؟
د. صياح فرحان عزام:
في هذه الظروف الأوربية والدولية المحرجة، قام المستشار الألماني شولتس بزيارة العاصمة الصينية بكين، وقد التقاه زعيمها القوي شي جي بينغ، الذي جدد له المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي الصيني الذي انعقد مؤخراً لولاية ثالثة، وفي حين خاطب الزعيم الصيني ضيفه الألماني قائلاً: (إنه يتعيّن على الصين وألمانيا باعتبارهما دولتين كبيرتين تملكان نفوذاً، العمل معاً خلال أوقات التغيير والاضطراب من أجل السلام العالمي)، فإن تلك الزيارة لم تلقَ ارتياحاً من قبل الإدارة الأمريكية وبعض الدول الأوربية السائرة في فلك سياسة واشنطن، بل وحتى داخل الائتلاف الحاكم في ألمانيا الذي يتزعمه شولتس، فقد أعرب بعضهم في الائتلاف عن القلق حول هذه الزيارة التي توحي باعتماد ألمانيا الشديد على الصين.
بالطبع حاول شولتس تبرير زيارته هذه والدفاع عن غاياتها وأهدافها، فصرّح بأنه سيطرح موضوعات (صعبة) على الجانب الصيني، من بينها- حسب تعبيره- الحرب على أوكرانيا، واحترام الحريات المدنية.
والسؤال الرئيسي هنا: هل سيستمع الرئيس الصيني إلى هذه الملاحظات أو الطروحات الألمانية التي أشرنا إليها أعلاه؟
لا شك في أن الزعيم الصيني سيصغي لما طرحه شولتس، ولكن هذا الطرح سيدخل في الأذن اليمنى ليخرج من الأذن اليسرى (إن صح التعبير)، بمعنى أن (شي) كأنه لم يسمع، لأنه يدرك تماماً بحسّه السليم أن شولتس لم يقطع كل هذه المسافات للوصول إلى الصين ولقاء زعيمها، من أجل أن يقول ما قاله، بل أتى محمولاً على الشعور بضرورة التعاون الاقتصادي مع الصين، في ظل تفاقم أزمات الوضع الدولي ومشكلاته، خاصة على صعيد توريدات الطاقة، على خلفية الحرب الجارية على الأراضي الأوكرانية، والتي اختلقتها الولايات المتحدة، ومازالت تعمل على تأجيج نارها وتصعيدها.
هذا ما يؤكده المحللون والخبراء السياسيون، وكل من يتابع الوضع السياسي الدولي الراهن، فالزيارة المذكورة تأتي بعد أن منحت ألمانيا الضوء الأخضر للصين للحصول على حصة في ميناء هامبورغ، على الرغم من معارضة أطراف في ائتلاف شولتس الحاكم، وعلى الرغم أيضاً من مخاوف عبرت عنها الولايات المتحدة وبريطانيا، ويجمع هؤلاء على أن الوضع الاقتصادي الحالي لألمانيا التي تشهد تضخماً تاريخياً، وركوداً يلوح في الأفق، هو السبب الرئيسي وراء سياسة برلين تجاه الصين وموقفها الأقل حدّة من مواقف واشنطن وقوى أخرى في حلف الناتو وخاصة بريطانيا.
إذاً، هذا اللقاء الصيني – الألماني، الذي جاء بمبادرة من الطرف الألماني، يجب أن ينظر إليه على هذا النحو، أي على ضوء التحولات الجارية في الوضع الدولي برمته، حيث تجد ألمانيا نفسها (وهي القوة الأوربية الأقوى اقتصادياً) مضطرة إلى تقوية جسور التعاون الممدودة أصلاً مع الصين، متجاهلةً تحفّظات حلفائها، خاصة في واشنطن ولندن اللتين تكابران وترفضان الاعتراف بمتغيرات العالم الذاهبة باتجاه التعددية القطبية، ونهاية عصر الهيمنة الأمريكية الآخذة في الضعف والتصدع، وما من شك في أن هذه القناعة أصبحت موجودة لدى دول أوربية أخرى متعددة، بعضها يجاهر بذلك، والبعض الآخر لم يفصح عنها صراحة.