قمّة العشرين.. اقتصادية بصبغة سياسية

د. نهلة الخطيب:

في ظل الأزمات الكبرى التي يعيشها العالم من أزمة الغذاء إلى أزمة الطاقة وتوريداتها وتفشي الأوبئة والتغيرات المناخية والتضخم العالمي، تنعقد قمم مجموعة العشرين، والقمة هذا العام تعتبر الأصعب والأكثر تحدياً على الاطلاق بسبب الحرب الروسية الأوكرانية، وخاصة أن روسيا دولة مؤسسة للمجموعة وعضو بارز فيها، وتخضع حالياً لعقوبات اقتصادية شديدة فرضتها أمريكا ودول الاتحاد الأوربي، والمخاض الذي يشهده النظام العالمي والمتجسد بالتوترات الجيواستراتيجية المتزايدة بين الدول العظمى (الولايات المتحدة الأمريكية، والصين، وروسيا) والتي تجاوزت أعلى نقاطها، فهل تتحول هذه التوترات إلى حرب نووية؟! هذا الطرح هو على درجة عالية من الأهمية والتحدي للقمة فهل نقضي على العالم أم نحافظ عليه؟

قمة العشرين هي منتدى اقتصادي عالمي هام يتكون من 20 دولة مؤثرة في الاقتصاد العالمي والسياسي، ومنظمات وجهات دولية تلعب دوراً محورياً في الاقتصاد والتجارة حول العالم وتشكل أكثر من 85% من الناتج الاقتصادي العالمي و75% من التجارة العالمية، تم تشكيلها لمواجهة الأزمات الاقتصادية ومناقشة السياسات المتعلقة بتعزيز الاستقرار المالي العالمي ومعالجة القضايا الدولية، وبدأت أول اجتماعاتها في واشنطن عام 2008، تتولى كل دولة الرئاسة الدورية للقمة سنوياً وقراراتها ليست ملزمة وقد تأخذ لاحقاً طابع العرف الدولي.

ووسط أجواء شديدة التوتر قامت إندونيسيا باستضافة قمة العشرين في مدينة بالي، وعليها تعقد الآمال في العمل على إخراج العالم من أزماته الكبرى التي تواجه الاقتصاد والطاقة والصحة والتنمية والتجارة والمناخ، وقبل أيام من انعقاد القمة أعلنت روسيا عدم مشاركة الرئيس فلاديمير بوتين، وهذا مؤشر على اجهاض لأية محاولة لحل الأزمة الروسية الأوكرانية، وهو قرار سياسي ورفض لمناقشة إنهاء الحرب، وقد انتقد رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك الرئيس بوتين لعدم حضوره القمة، وصرح: (لو حضر ربما كان بإمكاننا أن نبدأ في تسوية الأمور)، وألقى باللوم على الحرب على أوكرانيا في تدهور الأوضاع الاقتصادية على مستوى العالم، وبذلك تواجه القمة أجندة مربكة إلى حد كبير، فقد كان المسار الطبيعي هو مناقشة البنود المتعلقة بالتعافي العالمي ولكن التداعيات التي خلفتها الحرب الروسية الأوكرانية غيرت من تلك الأجندة، فهل تحقق القمة ما يصبو اليه العالم أجمع؟؟

افتتح الرئيس الاندونيسي جوكو ويدودو القمة بمشاركة زعماء دول المجموعة مستهلاً كلمته بأن أزمة الغذاء وقضية أمن الطاقة يؤثران على الدول النامية، وأنه ليس أمامنا خيار إلا التعاون لإنقاذ العالم ويجب علينا تجنب حرب عالمية أخرى ويجب ألا تفشل القمة، وقد أشارت وزيرة الاقتصاد الاندونيسي إلى أن وباء كوفيد والأزمة الأوكرانية أدت إلى أزمة طعام وطاقة وأزمة تضخم ما أدى إلى عدم استقرار اجتماعي واقتصادي، وإذا لم نستطيع وقف الحرب في أوكرانيا سيكون تعافي الاقتصاد العالمي نوعاً من الخيال وستكون النتائج كارثية.

وتتطلع المنظمات الخيرية من قمة العشرين إلى المزيد من المساعدات للحد من أسوأ تأثيرات الجوع وسوء التغذية وعدم غض النظر عن أزمة المجاعة، ذلك أن عدد الأشخاص الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد تضاعف ثلاث مرات تقريباً بحسب بيانات الأمم المتحدة.

وعلى هامش المؤتمر التقى الرئيس الأمريكي جو بايدن نظيره الصيني شي جي بينغ، وهو أول لقاء لبايدن منذ توليه منصبه تم فيه مناقشة عدة قضايا خلافية حول تايوان وهونغ كونغ، إضافة إلى موقف الصين من الحرب الروسية الأوكرانية، ومحاولة بايدن حض الصين على كبح جماح كوريا الشمالية وخاصة بعد إعلان بيونغ يانغ عن إجراء تجربة نووية جديدة، وتكلل اللقاء بالوصول إلى اتفاق مبدئي حول إدارة التنافس بين الطرفين وحل الخلافات سلمياً، وهذا ما أكده الرئيس الصيني، ويؤكد أن الصين دولة قانعة غير راغبة بتغيير النظام العالمي على الأقل في المرحلة الحالية.

إن هذه القمة اقتصادية لكن السياسة سيطرت على المواقف وكشفت الانقسام العالمي، فكان البيان الختامي يتضمن تنديداً شديداً بالحرب الروسية في أوكرانيا (مع وجود وجهات نظر مختلفة)، وأنها المصدر الأساسي للمعاناة الاقتصادية والإنسانية الهائلة في العالم متجاهلاً سياسات بعض الدول العظمى في توظيف سلاح التجويع الجماعي والظلام وقطع الكهرباء والعقوبات القسرية أحادية الجانب اتجاه الشعوب الفقيرة، وأكد الالتزام بالقوانين الدولية للحفاظ على الأمن والسلم الدوليين. نتائج الحرب ستكون نقطة فاصلة بين مرحلتين وبين تيارين وستلقي بظلالها على النظام العالمي الجديد واقتصاده، ما من حرب طالت أم قصرت إلا وستنتهي على طاولة المفاوضات، ولكن متى ستقبل الأطراف المتصارعة الجلوس على الطاولة!؟

العدد 1194 - 15/04/2026