إحباط أوربي ووضع حرج

د. صياح فرحان عزام:

لا يغيب الشعور بالإحباط من سير العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا وطولها عن مواقف زعماء الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي، بريطانيا وحلف شمال الأطلسي الذين بدؤوا يتخوفون من أن يستمر هذا الصراع الذي اختلقوه سنوات، بعد أن كانوا يأملون أن ينتهي لصالحهم خلال وقت قصير، خاصة أن دعمهم العسكري غير المحدود للقوات الأوكرانية لم يحقق النتائج التي توخّوها، وأن القوات الروسية لم تظهر قوتها الحقيقية في هذه المعركة التي أجبرت على دخولها دفاعاً عن أمنها القومي، ربما لأنها تريدها حرباً طويلة تستنزف الغرب سياسياً واقتصادياً قبل تحقيق النصر النهائي في أوكرانيا.

هؤلاء الزعماء الغربيون بدؤوا يشعرون ويلمسون أن سحابة قاتمة بدأت تخيّم على الوضع العالمي، مترافقة مع انطباعات وتوقعات بأن هذا الصراع في أوكرانيا قد يطول لسنوات، وتمتد ألسنته إلى جبهات ودول جديدة في أوربا بينها الكثير من الصراعات الخامدة التي قد تنفجر في أي لحظة، مدفوعة بجو مشوب بالخوف من المجهول، على الرغم من إظهار وحدة الموقف الأوربي في وجه روسيا.

إذاً، هناك قلق كبير لدى المعسكر الغربي، وحالة من السأم والملل من هذه الحرب بدأت تدبّ في الأوساط العالمية وبشكل خاصة في المجتمعات الغربية (الأمريكية والأوربية) تعكسها أقوال وتصريحات قادة غربيين، مثل رئيس وزراء بريطانيا جونسون (استقال مؤخراً)، الذي أشار صراحة إلى هذا الملل، وقائد عسكري بريطاني كبير يطلب من جيشه الاستعداد لمواجهة الجيش الروسي في البر الأوربي، وأمين عام حلف شمال الأطلسي بنس ستولتنبرغ الذي يتخوف مما وصفه بـ(صدام غير مقصود) مع روسيا، بمعنى آخر هناك تخوف من أي انفلات مفاجئ لا تتداركه القنوات الدبلوماسية.

من جهة أخرى هناك تخوف من شتاء قارس وكارثي يداهم أوربا بسبب نقص إمدادات الغاز، هذا النقص الذي يمكن أن يؤدي إلى مشكلات اقتصادية بدأت تتجلى في إضرابات العمال، والفوضى في عدة مطارات وسكك حديدية مع دخول أكبر صراع بري في أوربي منذ الحرب العالمية الثانية شهره الخامس، وبالتالي فإن التكلفة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية على أوربا بسبب هذه الحرب التي زجتها بها واشنطن في أوكرانيا باهظة جداً حسب مؤشراتها، لأن تداعياتها لم تكن متوقعة بحجمها وامتداداتها، خاصة بعد أن تبين أن هناك تشابكاً استراتيجياً مع روسيا في مجالات النفط والغاز والحبوب، ليس من السهل فكه بهذه السرعة، وفي ظل غياب البديل وانعدام رؤية واضحة المسار للحفاظ على عصب الحياة الغربية.

وهذا الوضع المأزوم لا يشمل أوربا وحسب، بل إن الولايات المتحدة تواجه المشكلة ذاتها، وتعيش وضعاً صعباً لجهة ارتفاع الأسعار ومعدلات التضخم فيها، وصولاً إلى نقص الغذاء الذي بات يهدد بمجاعة عالمية وفق ما حذر منه الأمين العام للأمم المتحدة غوتيريش الذي دعا إلى اجتماعات موسعة لبحث نقص الغذاء وتقليل تقلبات الأسعار المتصاعدة.

ومن التداعيات القاسية لهذه الحرب الأوكرانية أن عدة دول أوربية منها هولندا والسويد والنمسا والدانمارك أقدمت على تفعيل خطط الطوارئ في قطاع الطاقة تحسباً لإمكانية قطع الإمدادات الروسية عنها من الغاز، كذلك ألمانيا رفعت درجة الاستنفار في قطاع الطاقة إلى المستوى الثاني تمهيداً لعملية فرض سيطرتها الكاملة على عملية توزيع الغاز الطبيعي في البلاد.

الخلاصة.. إن أوربا تعيش وضعاً حرجاً بسبب خضوعها لأوامر واشنطن، وأن هذا الوضع فيما لو استمر سيقود إلى درجة الاختناق، وسيؤدي إلى حد التفكير بحلول عسكرية مدمرة.

إذاً، كل ما حصل ويمكن أن يحصل هو بسبب مخططات الإدارة الأمريكية التي تعمل كل ما بوسعها للمحافظة على تفردها بقيادة العالم، وأوربا من ضحايا هذا المخطط من دون شك.

 

العدد 1194 - 15/04/2026