شهادات زينة لصالوناتنا!

وعد حسون نصر:

شهاداتنا الجامعية نلناها بعد سنوات من سهر لنحصل عليها ونغيّر واقعنا. الكثير يحلم بالتخرّج لعلّه يسافر ويكمل دراسته في دولة أجنبية ويعود للبلد لتستقبله أهم الشركات براتب يستحقه، أو ليبقى في بلده يعمل ضمن مجاله وينفض عنه غبار تعب سنوات الدراسة وخاصةً إذا كان الراتب على قدر طموحاته. ولكن، في ظلّ هذه الأزمة وما خلّفته من عجز وفقدان للكثير من مقومات العمل وخاصةً الطاقة (الكهرباء) إضافة إلى عدم تناسب الأجر مع مجهود العمل أو حتى طبيعته ومع الشهادة العلمية. لقد باتت شهادتنا الجامعية اليوم مجرّد إطار على الحائط، إذ بتنا نرى خريج جغرافيا يعمل عامل بناء- طبعاً مع تقديرنا واحترامنا لعامل البناء ومهنته الشريفة-كذلك خريج لغة عربية أو إنكليزية أو فرنسية يعمل سائق تكسي، أو طبيب لا يستطيع فتح عيادة خاصة له نراه يعمل بعيادة صديقة بأجر يومي مقابل كرسي خاص له، ممّا يؤدي بالضرورة إلى نقصٍ بتلك الكوادر في سلك التدريس وحتى في دوائر الدولة، أو المشافي والمستوصفات العامة، فلماذا لا تعمل الحكومة على توظيف قدرات شبابنا بالأماكن الصحيحة والمناسبة لهم ولدراستهم، فبدل أن نرى الخريج يعمل في مهنة أخرى، يُفترض أن تُعلن الوزارات عن مسابقات خاصة بفروعها لترفد الكوادر المناسبة سواء لسلك التدريس بدل النقص الحاد بمدرّسي الاختصاص، وخاصة اللغة الإنكليزية والفرنسية، والفيزياء والكيمياء، لأننا بتنا نرى في أغلب المدارس خريج أنشطة يعطي منهاج الفلسفة أو الاجتماعيات، وبدل أن يطبّبنا مُمرّض مُسعف وخاصة في المستوصفات وشعب الهلال، لماذا لا يكون مع هذا المسعف طبيب مختص يشخّص حالتنا بشكل سليم!؟

إلقاء حكومتنا فشلها في إدارة الأزمة على الأزمة ذاتها والحصار والنقص في موارد الطاقة وعدم إيجادها للحلول، جعل من شبابنا قنبلة موقوتة تبحث عن فرصة لتُبدع خارج إطار هذا البلد، تبحث عن أرض ملائمة لتتفجّر حيويةً وتزهر عطاءً، لقد بتنا نرى السوري يبدع خارج بلاده ضمن المناخ الملائم، نقرأ عن طبيب سوري اكتشف دواء لمرض خطير، وفتاة سورية قادت طائرة ركّاب، وعالم سوري اكتشف نظرية في علم الكمياء، والكثير الكثير من المبدعين السوريين في مجال اللغة والأدب والنثر والإعلام، نقرأ عن إنجازاتهم خارج حدودنا، فلماذا لا نجدهم بيننا في مجتمعنا، ضمن مؤسساتنا في أماكنهم الصحيحة؟! لماذا بتنا نشاهدهم في الساحات ينتظرون من ينادي عليهم لنقل أثاث أو لتفريغ شاحنة خضار أو للعمل على رافعة البناء؟ مع التقدير والاحترام لأصحاب هذه المهن، لكن لا يمكن أن تتساوى القوة البدنية مع القوة الفكرية في مكان واحد إلاّ إذا أكملوا بعضهم البعض، المهندس يشرف على العامل، والطبيب يشرف على المُسعف.. احتضنوا هؤلاء الشباب لأن بلدنا يعاني من نزيف شديد في الأدمغة المهاجرة، ضعوا الشخص المناسب في المكان المناسب، افتحوا مجالات الإبداع فلدينا الكثير من المبدعين، ارفدوا المدارس بالاختصاصات لتنشئوا جيل المستقبل الذي سيعيد إعمار ما أفسدته الأزمة، اجعلوا من المُزارع عرّاب حقله، ومن الطبيب رسول الرحمة في مجاله، ومن المحامي سيف الحق في المحاكم، لا تجمعوهم معاً في دائرة البطالة تحت ذريعة الأزمة وما خلّفته من دمار، فشهادتهم حصلوا عليها ليبدعوا من خلالها لا لتكون زينة على جدار منزلهم.

العدد 1196 - 29/04/2026