لأول مرة في تاريخها.. كولومبيا باتجاه اليسار

د. صياح فرحان عزام:

سبق أن تحدثنا في مقالة سابقة حول بدء عودة اليسار بقوة إلى دول أمريكا اللاتينية، التي عانت الكثير الكثير من تدخلات الولايات المتحدة الأمريكية في شؤونها الداخلية وتنظيم انقلابات عسكرية فيها تأتي بحكومات عميلة لواشنطن.

مؤخراً عادت إلى أحضان اليسار دول البيرو والمكسيك وتشيلي وبوليفيا، إضافة إلى فنزويلا وكوبا ونيكارغوا.

ويوم الأحد 29/5/2022 حصل زلزال سياسي على مستوى أمريكا اللاتينية، فقد وصل إلى منصف الرئاسة المرشح اليساري غوستافو بيترو، في الجولة الأولى بأكثرية 40٪ من الأصوات، متقدماً على خصمه رجل الأعمال رودولفو هيرنانديث الذي حصل على 28٪ من الأصوات، وسيتواجهان في جولة ثانية يوم 19 حزيران الحالي.

إن لهذا الفوز أهمية خاصة وكبيرة تكمن في أنه للمرة الأولى في تاريخ كولومبيا التي يصل فيها يساري إلى منصب الرئاسة، منضمّاً إلى كوكبة من الرؤساء اليساريين الذين غيّروا وجه القارة، التي ظلت لفترة طويلة تعد الحديقة الخلفية للولايات المتحدة.. إلا أن لكولومبيا نكهة خاصة، فهي ترتبط بعلاقات وطيدة مع الولايات المتحدة، سياسياً واقتصادياً وأمنياً، وكانت على الدوام (مخلب قط) أمريكي ضد فنزويلا ودول الجوار، وبالتالي فإن سقوطها في يد اليسار يعني أن واشنطن ستفقد قاعدة هامة متقدمة في القارة، إذ إن رئيس الدولة القادم هو ثائر سابق كان ينتمي لمجموعة (أم 16)*، وهو حالياً نائب في مجلس الشيوخ، ورئيس لبلدية العاصمة بوغوتا.

جدير بالذكر أن 49 مليوناً من الناخبين الكولومبيين اختاروا التغيير وعبروا عن إرادتهم بالخروج من تحت العباءة الأمريكية، من خلال اختيار (تحالف الميثاق الوطني) ومرشحه (بيترو) والمرشحة لنائب الرئيس فرنسيا ماركيز، وهي ناشطة بارزة في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان والبيئة، على أمل أن يتبدل وجه كولومبيا الذي تشوهه العصابات وكارتلات المخدرات التي تنتشر كالفطر السام تحت أنظار السلطات العاجزة عنها حيناً والمتواطئة أحياناً كثيرة، وتشير التقارير إلى أن كولومبيا هي أكبر مصدر للكوكايين في العالم من خلال عصابات الجريمة والمخدرات مثل كارتلات ميلدين وغوف كلان وديل غولفو التي تمتلك جماعات وعصابات مسلحة تصل أعدادها إلى الآلاف، وتمارس أبشع عمليات القتل والتصفيات فيما بينها، إضافة إلى تداعيات المواجهات بين القوات الكولومبية وحركة القوات المسلحة الثورة (فارك) بعد انهيار اتفاق السلام الذي تم توقيعه عام 2016، الأمر الذي أدى إلى فرار أكثر من 13 ألف مدني من مناطق الاشتباكات حسب تقديرات الأمم المتحدة.

نعود للقول إن بيترو قال بعد إعلان فوزه على خصمه ما يلي:

(هناك في النهاية خياران، الأول منهما: أن نبقي على ما لدينا من فساد وعنف وجوع، والخيار الثاني هو أن نجري التغيير للمضي نحو السلام والتقدم المنتج والديمقراطية التي تتسم بالشفافية).

كما أكد التزامه الكامل والتام باتفاق السلام مع فارك، وتعهد بإعادة توزيع رواتب التقاعد والتحاق العامة بالجامعات من دون رسوم، ومكافحة التفاوت الطبقي العميق في المجتمع والدولة.

بطبيعة الحال، إن هذا النظام اليساري الجديد في كولومبيا لن يسرّ واشنطن، ولهذا ستضع في وجهه عراقيل كثيرة، إضافة إلى ما يواجهه من تحديات كبيرة منها بل أهمها الفساد والجوع وعصابات تجارة المخدرات، إضافة إلى تحديد مسار العلاقات الخارجية مع الولايات المتحدة، وما إذا كانت واشنطن تقبل المساكنة مع نظام جديد لا يمتثل لأوامرها أم لا، وهنا يبرز سؤال حول دور الجيش الكولومبي الممول والمسلح والمدرب من قبل الولايات المتحدة.

* (أم 16) هو تنظيم ثوري يساري مسلح يحارب حزب المحافظين الحاكم.

العدد 1195 - 23/04/2026