اليسار الفرنسي يتهيّأ للانتخابات التشريعية المقبلة
د. صياح فرحان عزام:
أسفرت الانتخابات الرئاسية الفرنسية الأخيرة عن فوز الرئيس الفرنسي ماكرون بولاية ثانية لمدة خمس سنوات في قصر الإليزيه، وذلك بعد أن هزم منافسته اليمينية مارين لوبان. ولكن يجب أن يؤخذ في الحسبان أن العامل الأساسي في نجاحه في الجولة الثانية يعود لعدة أحزاب فرنسية تناصب اليمين العداء، لأنها لا تحبذ أن ترى فرنسا تقع فريسة لليمين، وتخرج عن تاريخها وتقاليدها، وقد أعطت هذه الأحزاب ماكرون أصواتها في الجولة الثانية.
وفي هذا السياق، هناك تحدٍّ أصعب لماكرون في الانتخابات التشريعية التي ستجري أيضاً على مرحلتين اثنتين يومي 12 و19 حزيران القادم، إذ ستكون المعركة هذه المرة أكثر شراسة وحدة، لأن على الرئيس ماكرون الاحتفاظ بالأكثرية النيابية التي تضمن له فترة رئاسية مريحة (أي من دون وجود رأس آخر في السلطة منافس له أو معارض هو رئيس الحكومة).
إذاً معركة الانتخابات التشريعية المقبلة ستختلف عن معركة الانتخابات الرئاسية، من حيث المشاركين فيها والأحزاب التي ستتصارع على الدوائر الانتخابية البالغ عددها 577 دائرة، للفوز بالأكثرية النيابية التي تمكّنها من تولي منصب رئاسة الحكومة، فقد توصلت أحزاب اليسار إلى اتفاق فيما بينها، هو الأول من نوعه منذ أكثر من عشرين عاماً يقضي بتحالفها وتشكيل قوائم موحدة في مختلف الدوائر، للحؤول دون حصول الرئيس ماكرون على أكثرية نيابية تؤهله للتفرد بالسلطة مع حزبه (النهضة) (الجمهورية إلى الأمام) سابقاً كما كان يسميه، وبعض الأحزاب الأخرى التي يسعى إلى التحالف معها مثل حزب الحركة الوطنية (وسط)، وحزب هورايزن (الأفق) الذي شكله رئيس الوزراء السباق إدوار فيلي، وبعض الأحزاب الصغيرة الأخرى، إضافة إلى شخصيات مستقلة قدمت الدعم لماكرون في معركة الرئاسة.
الجدير بالذكر أن الرئيس ماكرون يحظى الآن بأغلبية مريحة تصل إلى 346 مقعداً في الجمعية الوطنية الفرنسية، إلا أنه ليس من الواضح ما إذا كان سيحتفظ بهذه الأغلبية في الانتخابات المقبلة، والسبب أن التحالف اليساري الجديد الذي يضم حزب (فرنسا الأبية) بزعامة جان لوك ميلينشون، والحزب الاشتراكي والحزب الشيوعي وحزب الخضر، اتخذ قراراً بالتخلي عن الخلافات بين مكوناته، والاتفاق على برنامج موحد لمواجهة ماكرون. وصرح ناطقان باسم الحزب الاشتراكي وحزب فرنسا الأبية في بيان مشترك أصدراه بما يلي: (نريد انتخاب نواب في غالبية الدوائر الانتخابية لمنع إيمانويل ماكرون من الاستمرار قدماً في سياساته الوحشية والظالمة، وإلحاق الهزيمة باليمين المتطرف في الوقت نفسه).
وقال زعيم الحزب الشيوعي فابيان روسيل: (لا يمكن لأحد من اليسار أن يفوز بمفرده، وإن التحالف الجديد بحاجة إلى أن يبنى على الأمل الهائل بين الجمهور الفرنسي وبين العمال، وبين الشباب الذين يطالبون هذه الأيام بأن نتوحد).
وفي هذ الإطار طرح جان ميلينشون نفسه لتولي منصب رئاسة الحكومة الفرنسية المقبلة، في حال فوز تحالف اليسار، مستنداً في طرحه هذا إلى النتيجة التي حققها في الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية التي جرت مؤخراً، ووصلت إلى أكثر من 22٪ من الأصوات.
وبطبيعة الحال، إذا حقق ميلينشون هدفه فإنه بذلك سيفرض (التعايش القسري) على ماكرون في فترته الرئاسية الثانية، الأمر الذي يجعل ماكرون مكبّلاً بسياسات يسارية تتعلق بالقضايا الداخلية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، إضافة إلى علاقات فرنسا الخارجية مع الدول الأوربية والولايات المتحدة وحلف الناتو.