نانسي بيلوسي في تايوان.. ماذا تريد؟
د. صياح فرحان عزام:
ستقوم نانسي بيلوسي (رئيسة مجلس النواب الأمريكي) بزيارة إلى تايوان، وفي هذا السياق أسئلة مهمة تفرض نفسها، خاصة في هذه الظروف، وتحديداً في ضوء العملية العسكرية الدفاعية الروسية في أوكرانيا، ماذا تريد الولايات المتحدة من تنظيم هذه الزيارة المشبوهة؟ ألا تكفيها مواجهتها الشرسة الراهنة مع موسكو في أوكرانيا، وذلك من خلال تزويدها لنظام زيلينسكي بالأسلحة الفتاكة وتحريضها للعالم ضد روسيا، ومواصلة فرض العقوبات المختلفة عليها؟ وهل تريد واشنطن إشعال أزمة أخرى في آسيا وتحديداً مع بكين؟ وهل هي قادرة على التعامل مع أزمتين أشعلتهما عمداً؟ وهل ستبقى الصين صامتة أمام الاستفزازات الأمريكية المتتالية لها؟
معروف للجميع أن نانسي بيلوسي هي رئيسة مجلس النواب الأمريكي، وهي تعد الشخصية الثالثة في سلم هرم السلطة في الولايات المتحدة.. كان من المفترض أن تبدأ زيارتها لتايبيه يوم الأحد 10 نيسان الجاري، إلا أن إيجابية اختبار كورونا تسببت في تأجيلها.
لقد عبّرت وزارة الخارجية الصينية، على لسان المتحدث باسم الوزارة تشاولي جيان، عن سخط غير مسبوق وازدراء بمسار العلاقات بين بكين وواشنطن عندما قال: (ما يجب على بيلوسي أن تفعله ليس تأجيل الزيارة لتايوان ولكن إلغاؤها على الفور).
أما هدف الزيارة (المعلن وليس الخفي) فهو إحياء الذكرى الـ43 لإقرار ما يسمى بقانون العلاقات مع تايوان، ففي مثل هذا الشهر منذ 25 عاماً (نيسان 1997)- قام نيوت نيجريتش (رئيس سابق لمجلس النواب) بزيارة مماثلة لتايوان.
الجدير بالذكر أن مسألة مقاطعة تايوان تخضع لمبادئ البيانات المشتركة الثلاثة التي وقعت عليها حكومتا الصين وأمريكا في سنوات 1972-1979و1982، والتي أوصلت إلى إقامة وتطبيع العلاقات الدبلوماسية بين العاصمتين بكين وواشنطن، وحسب مضمون هذه البيانات من المفترض أن تعود تايوان إلى موضعها الطبيعي والأصلي كبقعة صينية تخضع للصين الأم سلماً، بحيث يتواصل الشعب الصيني على ضفتي مضيق تايوان معاً دون عوائق، ومنعاً لأي تدخل أمريكي في شؤون الصين. ولكن الولايات المتحدة- التي لم تلتزم بمبادئ واتفاقات ومعاهدات طيلة تاريخها الأسود- أخلت من جديد وبشكل صارخ بتعهداتها التي كان آخرها ما تعهد به الرئيس جون بايدن خلال قمة افتراضية مع الرئيس الصيني شي جين بينج بأن بلاده لا تدعم استقلال تايوان، وأنها تلتزم بسياسة صين واحدة.
إدارة بايدن نفسها بالضبط، كما أجادت في سكب الزيت على النار لإشعال الحرب في أوكرانيا وامتداد لهيبها وتداعياتها إلى أوربا، ها هي ذي تضبط متلبسة وهي تبرم ثلاث صفقات أسلحة مع تايوان، آخرها بقيمة مئة مليون دولار، وذلك استفزازاً للصين ونكثاً بالتعهدات والوعود.
وهكذا فإن الزيارة المزمعة لنانسي بيلوسي إلى مقاطعة تايوان الصينية واقترانها بتزويد الانفصاليين في تايوان بالسلاح، تؤكد أن واشنطن تلتزم بسياسة صين واحدة (شفهياً فقط)، في حين تعطي إشارات خضراء واضحة وملموسة لعملائها في تايوان للتخلي عن هذه السياسة.
ومن الأدلة على ذلك أنه في شهر آذار الماضي نفذت ثلاث زيارات أمريكية رفيعة المستوى لمقاطعة تايوان الصينية، شملت الرئيس السابق لهيئة الأركان العسكرية الأمريكية المشتركة مايكل مولن، ووزير الخارجية السابق مايك بومبيو، ورئيس الصندوق الوطني للديمقراطية ديمون ويلسون، وهذا ما يشير إلى نوايا أمريكية سيئة تجاه الصين، وإلى أن ساسة الولايات المتحدة وصلوا إلى حد فائق من الغرور والعجرفة كما جاء على لسان الأستاذ في جامعة دنمين الصينية المدعو ين تسان رونج، لك أن واشنطن تعتقد أنها قادرة على التعامل مع أزمتين أشعلتهما عمداً مع روسيا والصين في وقت واحد، متناسية أن قوة الصين في عام 2022 تختلف عما كانت عليه سابقاً، مع العلم- والكلام مازال للأستاذ الصيني- أن ما ستراه بيلوسي كما رأى الزائرون الأمريكيون الذي سبقوها عبارة عن فئة انفصالية قليلة العدد تشبه النازيين الجدد في أوكرانيا تسمي نفسها (التحالف الأخضر) المدعومة أمريكياً.