شهادات ورق…
حسين خليفة:
حالما تُذكَر الشهادات العلمية والأكاديمية في زمننا هذا، تحضرني قصيدة لعبقري العامية الشاعر المصري الكبير الراحل أحمد فؤاد نجم، عنوانها (ورق)، وقد كُتِبَتْ بعد العملية الانتحارية المعروفة للمقاومة اللبنانية سناء محيدلي من الحزب القومي السوري، لكنها_ القصيدة_ تتكرّر فيها كلمة ورق مراراً، وما أكثر الورق، ومنها أقتطف:
ورق ورق ورق ورق
آه يا وطن على الورق
الحلم فيك
على الورق
والعلم فيك
على الورق
خدعني فيك صوت الورق
وسافرتُ فيك
على الورق
وحلمتُ بيك بره الورق
بستان ظليل
وقلّة للعطشان سبيل
وناس ونيل
ومشربيه وحمام هديل
وبنت حلوه
وواد جميل
مع احترامي وتبجيلي للعلم والشهادة العلمية التي تُعبّر فعلاً عن ثمرة جهود حاملها وسهره الليالي الطوال حتى يكسب علماً نافعاً لمجتمعه وأهله ونفسه، إلاّ أننا في مجتمعاتنا المتخلفة، وخصوصاً المجتمع السوري، شهدنا ظواهر مُثيرة للشكِّ حيناً، وللقرف أحياناً، من بعض حملة هذه الشهادات على اختلاف اختصاصاتها ودرجاتها.
الشكُّ في كون الشهادة حقيقية وليست مُشتراة، خاصة بالنسبة لشهادات الدكتوراه من الخارج، ومن أوربا الشرقية تحديداً، والقرف من أخلاق بعض حامليها وطريقة تعاملهم مع الناس بما يخالف النظرة السائدة عن (المثقف) وحامل الشهادات العليا أحياناً.
بدايةً، ليس كل حامل شهادة عليا مثقفاً بالضرورة، فقد يكون مُبحراً في اختصاصه العلمي، لكنه لم يقرأ كتاباً خارج الاختصاص في حياته، ولم يحضر نشاطاً أو فعّالية ثقافية أو اجتماعية أو سياسية. وهذا النموذج موجود في جميع المجتمعات، ولا يُعتبر هذا أمراً مُشيناً أو مُعيباً بحقّه، إذ ليس من الضروري أن يكون كل أبناء المجتمع، ولا كل حملة الشهادات مثقفين بالضرورة، المهم أن يكون المرء ناجحاً في علمه وعمله، والأهم أن يكون محترماً في تعامله مع الناس وإيجابياً في مجتمعه وعائلته.
وليس كل مثقف إنساناً مثالياً في أخلاقه وتعامله مع الناس، وإن كان ما يطرحه في فكره وأحاديثه قمّة الأخلاق والأدب والتعامل، وينطبق الأمر هنا، ولو ابتعدنا قليلاً، على ما اصطُلِحَ على تسميته بـ(المثقف الثوري)، وهو المثقف الذي يتبنّى فكراً تغييرياً ثورياً، ويدعو إليه، فقد يكون هذا المثقف في الصف الآخر المناهض للتغيير ما إن تقوم الثورة التي أمضى حياته وهو يدعو إليها وينظِّر لها، وقد لمسنا نحن السوريين هذا الأمر مع أكثر من (مثقف ثوري) سارع إلى الانخراط في حظيرته الطائفية، أو لاذ بأمان ودفء معطف الطبقات التي كان يدعو إلى الثورة عليها، وقد تحدَّثَ المفكر الماركسي الثوري الايطالي غرامشي عن هذه الظاهرة، وميَّز بين من أسماه بـ(المثقف العضوي) الذي لا يفصل بين النظرية والممارسة، وينخرط في النضال اليومي للمهمَّشين والمسحوقين، ويدفع ثمن خياراته، والمثقف النظري الانتهازي والمهادن في اللحظات الثورية الحاسمة.
لا يعدم المثقف المنافق الحجج والذرائع في انقلابه على ما كان يدعو إليه، وهو المحترف في التبرير والتنظير، ولا يكتفي بالتبرير، بل يهاجم زملاءه المثقفين الثوريين الذين يقرنون القول بالفعل، ويمارسون بصدق وجرأة ما كانوا يدعون الناس إليه، ويقفون في طليعة الثورات، ويتَّهمهم بشتّى التُهم ويطلق عليهم أسماء من سلّة نظرياته التي أصبحت ممجوجة ومكشوفة للناس.
هذه الحالات تعكس أخلاق المثقف وانفصاله عن علمه ونظرياته.
وهناك ما هو أقرب للواقع من هذه الأمثلة، فالمثقف المتعالي على الناس، على أبناء بيئته الاجتماعية، خصوصاً إذا كان ينحدر من بيئة فقيرة ومتخلفة اجتماعياً، لا يقلُّ سوءاً ووقاحة عن المثقف الانتهازي المُتلوّن حسب مصالحه، فتراه يحاول الهروب من أصله والتنكّر لأقاربه ورفاق طفولته، ويتعالى عليهم، مبدياً قرفه واشمئزازه من طرق حياتهم التي كبر فيها ونشأ عليها، لكنه الآن ينتقل إلى ضفة أخرى، ويريد أن ينسى، أو يمارس فعلاً انتقامياً أحياناً، كل ما عاشه، وجميع من أخذ بيده ووقف معه وشكّل ذاكرته.
هذا عن المثقف، فماذا عن حملة الشهادات من غير المثقفين؟!
هؤلاء أيضا يُقسمون إلى قسمين، منهم من تراه ملتصقاً بالناس حاملاً لهمومهم ويده ممدودة لفعل الخير مع المحتاجين والضعفاء، ومنهم من ترى أخلاقه أسوأ من أخلاق قاطع الطريق واللص.
الطبيب الذي ينسى الطابع الإنساني لمهنته أولاً، ومنبته الطبقي ثانياً، فيعامل أبناء مجتمعه بتعالٍ وعنجهية، ويستغلّ ظروفهم الصحية لجني المال الذي هو شهوة لا حدود لها.
المهندس الماهر في مهنته، حين يتسلّق سلالم الثراء، فيتحول إلى كائن شره لا يهمه سوى المال، ويتعامى عمّن هم بحاجة إلى علمه ومساعدته.
المعلم الذي يجلد أبناء الفقراء بالدروس الخصوصية، ويعاملهم في المدرسة بعدائية وتنمّر تجعل الطالب يعاني عقدة نقص تجاه واقعه المزري، وقد يدفعه إلى الفشل الدراسي.
أمثلة لا تُعدُّ ولا تُحصى من حملة شهادات تجرّدوا من القيم الإنسانية والمبادئ التي تحكم علاقة الإنسان بأخيه الإنسان.
كان الفلاحون في قريتنا النائية ينادون لكل من تجاوز مرحلة البكالوريا بلقب أستاذ، وإذا كان طالباً في كلية الطب ينادونه (دكتور) منذ السنة الأولى، وطالب الهندسة (باش مهندس) قبل أن يتعلّم أبجديات المهنة، فيُصاب البعض منهم بغرور يصل لديهم إلى جنون العظمة، فيفشلون في دراستهم وفي حياتهم الاجتماعية أيضاً، وفي الحديث النبوي: اثنان لا يتعلمان: مُستحٍ ومُتكبّر.
الأخلاق لا تتجزأ سواء كان حاملها أُميّاً أم متعلماً أم مثقفاً.
ولم تكن الشهادة العلمية يوماً مقياساً لأخلاق الإنسان وطريقة تعامله مع الناس ونظرته إليهم، بل هي بوابة لعمل اجتماعي مفيد.