الحرب انهيار كامل لقيم الإنسانية والحياة

إيمان أحمد ونوس:

لعلّ غالبية الشعوب شهدت وعاشت حالة تشرّد بعض أفراد المجتمع كباراً كانوا أم أطفالاً لأسباب مختلفة، ولا شكّ أن مجتمعنا ليس استثناءً لاسيما بعد حرب عبثية مجنونة اغتالت كل مقوّمات الحياة الطبيعية للبشر حتى بات غالبيتهم في عداد المُشرّدين سواء داخل حدود البلاد أو خارجها ولو كانوا يقطنون الخيام.

منذ ما قبل الحرب بسنوات انتشرت لدينا حالة التشرّد في شوارع المدن بشكل ملحوظ، وأثارت حينذاك موجة من الانتقادات سواء للجهات الحكومية المعنية أو للمحيط الاجتماعي الذي أتى منه المُشرّد مُسنّاً كان أم طفلاً. صحيح أن تلك الموجة الانتقادية لم تلقَ الصدى المطلوب أو الآذان المصغية من الحكومة أو المجتمع، لكنها منحتنا شعوراً بأن هناك من يقف بالمرصاد للظواهر السلبية في المجتمع، وبأن القيم الإنسانية والاجتماعية ما زالت تحكم حياتنا وعلاقاتنا.. أمّا اليوم، وبعد عشر سنوات حرب، فقد صرنا نلمس أنها دمّرت لا البُنى التحتية فقط، وأحرق لهيبها لا الأشجار والمزروعات وحتى الماشية بمختلف أنواعها وحسب، بل سحقت أيضاً في طريقها كل القيم الإنسانية والأخلاقية والاجتماعية وحتى الدينية التي فعلوا كل ما فعلوه تحت شعاراتها!!

أجل لقد اغتالت تلك الحرب بمختلف تبعاتها إنسانيتنا، وتركتنا مجرّد أشباه بشرٍ لا يأبهون لما يحدث حولهم، همّهم الوحيد بات البقاء على قيد الحياة ولو على حساب الآخرين، فقد طغت الفردية لمستويات مرعبة لم نعهدها من قبل رغم وجودها على مستويات محدودة لم تكن تُمثّل حالة أو ظاهرة عامّة. وبالتأكيد فإن اغتيال الإنسانية لم يقف عند حدود المجتمع فقط، بل وصل أيضاً إلى مستويات حكومية عليا مسؤولة عن حماية حقوق الناس التي فرضها الدستور. وعليه بتنا نتعامل ونُعامل استناداً لشريعة الغاب والبقاء للأقوى مادياً ومعنوياً. وهنا بات أيُّ مشهد أو فعل مُنافٍ للإنسانية (طبيعياً) يكاد لا يُحرّك ساكناً لأيٍّ كان!! وهذا ما يُعرف بالتعوّد كسلوك لا إرادي يُصبح مع مرور الوقت جزءاً لا يتجزأ من الشخصية يُسيطر عليها فتنقاد له ببساطة مُذهلة! وهنا باتت الكثير من المظاهر أو الظواهر السلبية والمقيتة في المجتمع (طبيعية) لا تترك آثارها التي كانت تُخلّفها سابقاً قبل الحرب، مثلما باتت السلوكيات والإجراءات الحكومية المُتّبعة اليوم لا تُشكّل بالنسبة للحكومات مخالفة للدستور وتخلّياً صريحاً وواضحاً عن مهامها التي فرضتها قيم المواطنة ونصّ عليها الدستور، وأكبر مثال على تلك السياسات الحكومية الارتجالية برفع الدعم عن أعداد غير قليلة من الناس في مخالفة فظيعة للدستور، ورغم هذا لم يحرك الأمر ساكناً لدى أيّ من الطرفين- الحكومة والشعب- في اعتياد مرعب للتنازل عن الحقوق مقابل البقاء على قيد أمان وحياة!!

بالتأكيد لا يختلف هذا الحال عن غيره من مظاهر ومناظر وحالات سلبية يعيشها السوريون اليوم بكل فظاعتها وبشاعتها وكأن الأمر عاديّ، كالتشرّد الذي بات اليوم مشهداً عادياً في حياتنا سواء كان المُتشرّد طفلاً أم كهلاً، ذكراً أم أنثى، رغم تصدّر أخبار مُتكرّرة لوسائل التواصل الاجتماعي عن موت بعض أولئك المُتشرّدين أو المُشرّدين في العراء بسبب البرد القارس الذي أصاب البلاد مؤخّراً، أو حتى موت بعض الأطفال والرُّضّع الذين قذف بهم والداهم إلى الشارع أمام أبواب البيوت أو المساجد والكنائس لأنهم لا يستطيعون إعالتهم في ظلّ شظف العيش الذي يُعانيه غالبية السوريين اليوم بسبب سياسات حكومية لم تفرضها الحرب بقدر ما فرضها نهج اقتصادي يتمُّ العمل عليه منذ ما قبل الحرب بسنوات وحتى اليوم، نهج اقتصادي لا يولي حقوق الناس أهمية بقدر ما يوليها لرأس المال واحتياجاته والأجواء الملائمة له ليزداد ويتراكم يوماً بعد آخر على حساب جوع وموت الألوف وتهجير ألوف أخرى لم تعد تجد في البلاد ما يُعزّز إنسانيتها أو يحميها!!

إن كل ما جرى للسوريين من فظاعات منذ أكثر من عشر سنوات وحتى اليوم، لم يُحرّك ضمير المجتمع الدولي الذي وقف ساكتاً وساكناً عن آلامهم ووجعهم خدمة لمصالحه التي يبتغيها من غنائم تلك الحرب، مثلما لم يُحرّك ساكناً ولا مسؤولية يقتضيها الدستور للحكومات المُتعاقبة والحامية لثلّة من سماسرة وأثرياء الحرب الذين باتوا يتحكمون في مصائر البلاد والعباد، ما جعل عموم السوريين مخذولين متبلدي المشاعر والأحاسيس حتى تجاه أنفسهم وحقوقهم المهدورة والمُغتالة أمام عيونهم ليل نهار، فكيف لمن يستجدي قوت يومه ممّن اغتالوا حقوقه وإنسانيته أن يتفاعل مع متشرّد أو جائع أو مريض!!؟

العدد 1196 - 29/04/2026