هل يتحقق السلام الدائم بين الكوريتين؟

د. صياح فرحان عزام:

من المعروف أن الحرب الكورية انتهت قبل واحد وسبعين عاماً، وقضت آنذاك على أكثر من خمسة ملايين إنسان، إلا أن جمر تلك الحرب مازال تحت الرماد، أي أن الهدنة القائمة غير ثابتة، والأصح أنها هشّة ولم يتم تحقيق السلام بين أبناء الشعب الواحد في البلدين (كوريا الديمقراطية وكوريا الجنوبية)، وقد فشل البلدان خلال سبعة عقود في التوصل إلى معاهدة سلام دائمة تعيد المياه إلى مجاريها، وتوصل ما انقطع بين ملايين الأسر الواحدة التي تفصل بينها منطقة منزوعة السلاح عند خط العرض 38 الفاصل بين البلدين.

خلال السبعة عقود الماضية، حصلت اشتباكات حدودية بين الطرفين، برية وبحرية، وأطلقت تهديدات بالحرب والإبادة، وجرت مناورات عسكرية تحاكي الحرب الحقيقية، وتجارب على أسلحة نووية وأخرى على أسلحة تقليدية متطورة. إلى جانب الحصار الاقتصادي الأمريكي الجائر على كوريا الديمقراطية، وفرض العقوبات الدولية عليها، وتهديدات أمريكية متواصلة من أجل إجبارها على الخضوع لمشيئة الولايات المتحدة، إلا أن كوريا الديمقراطية صمدت صموداً متميزاً خلال هذه الفترة الطويلة، ورفضت الانصياع لواشنطن.

لقد جرت محاولات متعددة للتخفيف من حدة الصراع في شبه الجزيرة الكورية، في محاولة للتوصل إلى صيغة اتفاق يضع حداً لهذا الخطر الماثل الذي يهدد السلام، ليس في كوريا بشقيها الديمقراطي والجنوبي فقط، بل في المنطقة والعالم أجمع، بدأت في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، من خلال مفاوضات شاركت فيها الصين عام 1994، ثم في زيارة قامت بها آنذاك وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت إلى بيونغ يانغ في الأسبوع الأخير من شهر تشرين الأول عام 2000، كذلك عقدت لهذه الغاية قمم بين قادة ومسؤولين أمريكيين وكوريين شماليين، كان آخرها ثلاث قمم بين الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب وزعيم كوريا الديمقراطية كيم جونغ أون، جرى إحباط نتائجها بسبب الإصرار الأمريكي على ابتزاز كوريا الديمقراطية وفرض شروط تعجيزية عليها، وعدم رفع العقوبات المفروضة عليها، ورفض تقديم أي حافز مشجع، والتمسك بما تسميه واشنطن ضرورة تخلي كوريا الشمالية عن برنامجها النووي ووقف التجارب النووية والصاروخية.

الجدير بالذكر أن الحرب الكورية كانت قصيرة (1950-1953) لكنها كانت دموية، قتل فيها أكثر من خمسة ملايين إنسان، أكثر من نصفهم من المدنيين الذين شكلوا 10٪ من مجموع سكان الكوريتين، فيما قُتل نحو خمسين ألف عسكري أمريكي وجُرح أكثر من مئة ألف.

وسط كل هذه الأجواء الملبدة بغيوم التوتر والحرب، دعا الرئيس الكوري الجنوبي مون جيه إن في خطاب له أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها المنعقدة مؤخراً الكوريتين وحلفاء البلدين (الولايات المتحدة الأمريكية التي تدعم بلاده)، والصين التي تدعم كوريا الديمقراطية إلى إعلان إنهاء الحرب بصورة رسمية وإحلال السلام في شبه الجزيرة الكورية.

بالطبع لم يكن رد كوريا الديمقراطية سلبياً كما كان دائماً، لكنه كان حذراً، وجاء على لسان كيم يو جونغ الشقيقة الحديدية للزعيم الكوري الشمالي (كما تلقب)، إذ أعلنت أن كوريا الشمالية يمكن أن تعلن إنهاء حالة الحرب رسمياً، كما يمكنها أيضاً مناقشة عقد قمة بين سيئول وبيونغ يانغ إذا تعاملت كوريا الجنوبية مع جارتها الشمالية بالإنصاف والاحترام المتبادل والتعاون، والتوقف عن الاستفزازات المتكررة التي كانت آخرها المناورات العسكرية مع الولايات المتحدة.

لا شبك بأن هذا التصريح يمكن أن يشكل نافذة أمل قد تفتح الباب أمام رياح التغيير، وتقود إلى اتفاق سلام دائم ومتوازن بين البلدين

باختصار.. يبقى الأمر المهم في هذا المجال هو أن تكف الولايات المتحدة عن إذكاء نار الخلافات بين البلدين، والسعي الخبيث للهيمنة هنا وهناك للحفاظ على مصالحها، لأنها هي أصل الداء كما يقال، وهي المعرقلة للوصول إلى اتفاق بين الكوريتين.

 

العدد 1195 - 23/04/2026