(تقرير المصير) على الطريقة الأمريكية
كتب رئيس التحرير:
في رسالته إلى الرئيس الأفغاني مؤخراً قال بايدن: عليكم أن تقرروا مصيركم بأنفسكم.
العهر السياسي الأمريكي يبدو هنا أشد وضوحاً ولا يحتاج إلى دلائل، فبعد سنوات من خلق المنظمات المتطرفة المتسترة بالدين كالقاعدة وطالبان ودعمها، وبعد احتلال مباشر وتهديم لكل معالم أفغانستان الاقتصادية والعمرانية، وبعد تأسيس تيارات سياسية (مطيعة) مغرقة في رجعيتها ومعاداتها لأي مظهر من مظاهر التجديد والحداثة، يقرر بايدن أن على الأفغان تقرير مصيرهم بأنفسهم، بعد أن ضمنت الإدارات الأمريكية المتعاقبة مصيرهم، منذ أن وضعت بنادقها وأسلحتها في أيدي المتطرفين.
هكذا تعمّم الولايات المتحدة، على بلدان العالم، عهرَها السياسي المتلطي تحت شعارات حقوق الإنسان، وتقرير المصير، بعد أن أشعلت فيها الحرائق والحروب والنزاعات.
وهذا ما اشتغلت عليه الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ خمسينيات القرن الماضي في بلادنا (مبدأ أيزنهاور- حلف بغداد- الحلف المركزي- انقلابات عسكرية- تدخل مباشر).
لكن شعبنا حينذاك قرر مصيره بعيداً عن الهيمنة الأمريكية، كي يضمن مستقبله الديمقراطي.. المستقل.. الذي يعزز سيادة سورية ووحدة شعبها، وكرامة مواطنيها.
هذا ما تعمل عليه إدارة بايدن اليوم في سعيها إلى (تأبيد) الأزمة السورية، في مواجهة إنجازات الجيش السوري الذي استعاد معظم الأرض السورية من سيطرة وكلاء أمريكا وتحالفها الدولي في حربهم الفاشية على سورية. لقد فشل الغزو الأمريكي المتستر بالإرهابيين (الجهاديين) على الطريقة الأفغانية، وبدأت الولايات المتحدة وشركاؤها الغزو السياسي، المدعّم بالحصار والعقوبات وأساليب الخنق والتجويع، كي تُفهم الجميع أن مصير سورية وشعبها لن يكون إلا كما تريده أمريكا وحلفاؤها، كي تخاطب بعد ذلك شعبنا قائلة: (عليكم أن تقرروا مصيركم بأنفسكم)!
شعبنا قرّر مصيره منذ عقود، فهو الشعب الطامح إلى سيادة بلاده، وحريتها، ووحدتها، وكرامة كل مواطن فيها.. وهذا ما دفعه إلى مواجهة الغزو الإرهابي وجميع مخططات الأمريكيين والصهاينة، خلف جيشه الوطني.
ما الذي يجعلنا اليوم ننتظر مؤتمراً هنا، وقمة هناك، وجنيف المتسلسل ربما للرقم 50 أو 200، ولا نعلنها من هنا، من دمشق، عبر مؤتمر حوار وطني شامل يضم جميع الأطياف السياسية والاجتماعية والإثنية لنقول للمجتمع الدولي بأسره: لقد قررنا مصيرنا، وتوافقنا على مستقبلنا.. إنه سورية الديمقراطية.. العلمانية.. التي تضم جميع أطيافها.. وداعاً للحرب كوسيلة لحل النزاع السياسي، وداعاً لكل أشكال القسر وكبت الحريات. سنعمل على إنهاض بلادنا، وتعويض ما يمكن تعويضه لمواطنينا الذين عاشوا مآسي ستفرد لها آلاف الصفحات.
استعِدّوا لمواجهة طويلة مع الأمريكيين وحلفائهم، وهيئوا مستلزماتها، وفي المقدمة منها معالجة أوضاع المواطنين السوريين المعيشية التي أصبحت لا تطاق، فهي حجر الزاوية في ضمان الصمود السوري، كي نقرر مصيرنا بأنفسنا.
لا لمصيرٍ تقرّره قلعة الظلم والحرب.. والنهب.. والاستعباد.
نعم لمصيرٍ يرسم هنا.. بإرادة السوريين وبأقلامهم وطموحاتهم ومشاعرهم الإنسانية النبيلة.