بعد 150 سنة
د. أحمد ديركي:
ثارت وأعلنت عن ولادتها كطبقة وأثبتت قوتها بإعلان السلطة السياسية، حاملةً فكراً بديلاً جذرياً لما هو قائم: فكر الطبقة العاملة، فكر في حينها لم يكن قد اكتمل نضوجه، ولكنه أعلن عن ولادته وولادة عدوه الطبقي: الفكر البرجوازي.
استطاعت الطبقة العاملة في فرنسا أن تواجه الإقطاعية وتطيح بها، فثورتها كانت بمثابة الإعلان عن موت نمط الإنتاج الإقطاعي وولادة الرأسمالي وولادتها. وبهذا غيرت الثورة الفرنسية مسار التاريخ.
تحالفت البرجوازية مع الطبقة العاملة للإطاحة بالإقطاعية، فظنت الطبقة العاملة أن البرجوازية لن تخونها، ولكن هذا ما حدث؟ لقد خانتها!
نعم، الطبقة البرجوازية لا يناسبها أن تُحكم الطبقة العاملة سيطرتها على السلطة السياسية، فالطبقة العاملة تحمل مشروعاً نقيضاً لمشروع الطبقة البرجوازية. وبهذا ما إن تسلمت الطبقة العاملة السلطة السياسية حتى ارتمت الطبقة البرجوازية بأحضان نابليون والإقطاعية، وطلبت الدعم من كل الطبقة البرجوازية الأوربية لتعينها على التخلص من سيطرة الطبقة العاملة، وكان لها هذا.
تحالفت الجيوش وقُصفت باريس ودُمّرت على رؤوس الطبقة العاملة المناضلة، إلى حد كانت فيه جثث أفراد الطبقة العاملة مكومة في الشوارع مشكلةً نوعاً من المتاريس ضد الجيوش الغازية.
كيف للبرجوازية أن لا تفعل هذا والطبقة العاملة أسست ما يعرف بـ (كومونة باريس)، وقد حكمت باريس في الفترة من 18 آذار إلى 28 أيار 1871، مدة شهرين كاملين، وعملت على وضع الأسس لحكم الطبقة العاملة. وأتت (كومونة باريس) تتويجاً لتراكم تحركات وانتفاضات عمالية سابقة، وانتشار الوعي بين الطبقة العاملة بحقوقها ومدى خيانة الطبقة البرجوازية واستغلالها لها. مع لحظ أن البيان الشيوعي ظهر إلى النور قبل الكومونة.
لن نذهب بعيداً في تاريخ الثورة الفرنسية، ولكن من ظن أن عصر الثورات العمالية قد انتهى عليه إعادة قراءة التاريخ ليعي أن للتاريخ مساراً وللطبقة العاملة دوراً أساسياً في هذا المسار، كما للأحزاب الشيوعية الطليعية دوراً في النضال الطبقي بجانب الطبقة العاملة.
فشعار (حرية_ أخوّة_ مساواة) طرحته الثورة الفرنسية وتبنّته كومونة باريس منذ 150 سنة، ومن ثم كان للطبقة العاملة ثورتها الثانية، ثورة أكتوبر 1917، واستطاعت أيضاً أن تغيّر وجه التاريخ وطرحت شعار (يا عمال العالم اتحدوا). فمن يظن أن دور الطبقة العاملة انتهى في عملية تشكيل المسار التاريخي للبشر، عليه أن يعاود حساباته ويجدد قراءاته.