كم أتوق لأن أعود طفلاً.. ولكن!

عباس حيروقة:

كثيراً ما أُصاب كغيري من السوريين، ولا سيما أبناء جيلي، بالإحباط الشديد والألم والقهر الناتج عن شعور بالظلم والعجز عن القيام بشيء ما يخرجنا مما نحن فيه من ظلم وظلام.

ولكن رغم كل هذا لم ولن أيأس، ما دام ثمة طفل يؤذن بابتسامته للحياة.. ما دام ثمة أطفال بعمر الورود يرددون أناشيدهم وهم ماضون تجاه الشمس ليعلّقوا عليها ابتساماتهم ويجملوها برسوماتهم.. بالقبلات.

هل ثمة ما هو أجمل، وأنت بكامل حزنك وقهرك وشعورك بدنو هزيمة ما، من أن تتأمل أبناء قريتك أو مدينتك من طلاب مدارس ومعاهد وجامعات وعمال وهم يحملون على قسمات وجوههم أبهى مفردات وشارات الانتصار على القبح والموات؟!

حينئذٍ كم تتوق أن تعود طفلاً يركض في باحات المدرسة حين (فرصة)، ينظر بعينين دامعتين من شدة الانتماء والاعتزاز تجاه علم مرفوع على سارية المدرسة، فيرفع يمناه إلى محاذاة جبينه ويقدم تحيته الصباحية المعتادة متمتماً: حماة الديار عليكم سلام!

كم تتوق لأن تعود طفلاً يقف أمام معلمته يردد بكل ما في البيادر من نعيم ومن الينابيع من عذوبة أناشيد تلك الأيام.. تردد:

ماما ماما يا أنغاما

تملأ قلبي بندى الحب..

قفز الأرنب.. خاف الأرنب.. كنت قريباً منه ألعب

الخريف: أوراق تطفر في الدرب والغيمة شقراء الهدب

فلسطين داري ودرب انتصاري

تردد وتردد.. ويبقى صوت معلمتك معلقاً في قلبك

تنتابك رغبة في أن تمسك قلم الطبشور وتتجه نحو السبورة كما كنت قبل عقود أربعة لترسم خارطة سورية بالرعشة ذاتها، وحين تصل إلى أقصى الشمال الغربي.. إلى لواء إسكندرون ترتجف يدك وتدمع عيناك.

كنت.. كنا أطفالاً نرسم أول ما نرسم حين نملُّ أو في حصة الرسم نرسم أشجاراًً، بل غاباتٍ وجبالاً وأسراب حمام وغمامات وشمساً بخيوطها المتباينة الطول.

ونرسم أيضاً نهراً وبيوتات وأطفالاً ومراجيح.. وطفلاً في أقصى اللوحة يلحق طائرة ورقية بألوانها المبهجة.. ونرسم على سفح تل راعياً وقطيع غنم وحماراً وكلباً.

كنا أطفالا.. و حين العودة إلى البيت نكتب بعض واجباتنا المدرسية ونتسمّر أمام شاشة التلفاز بلونيه البيض والسود آنذاك لمتابعة برامج أطفال كان لها الدور الكبير والهام في فتح نوافذ وأبواب تجاه الجمال والخير والمحبة والسلام. 

برامج أطفال عززت لا بل زرعت تلك القيم الإنسانية النبيلة في نفوسنا ودربتنا طويلا على تأمل مفردات الحياة بحساسية جديدة مغايرة.  

وسأكتفي هنا ببرنامجي المفضل الساحر البهي (من قصص الشعوب)، هذا البرنامج الذي مسكنا من طرف ثوبنا.. بل من أناملنا ومضى بنا يعرفنا على قصص شعوب وحضارتها وفلكلورها وتراثها. برنامج أخاذ كل حلقة يتناول فيها قصتين منفصلتين وكل قصة عشر دقائق.

برامج تغنينا عن قراءة مجلدات تزخر بالجمال وبالبهاء..

من قصص الشعوب. برنامج يصلح لكل الفئات العمرية. من منا ينسى كلماتها الجميلة (علاء الدين والمصباح السحري – الآذان الطويلة – الخاتم العجيب  – فأر الريف وفأر المدينة  – علي بابا والأربعين حرامي – ساندريلا – دون كيشوت – عازف المزمار – الجرة الساحرة – الإوزة الذهبية  – الأميرة والضفدع – الفصول الأربعة – رأس ميدوزا -.. الخ )

ومن منا حتى يومنا هذا لا يردد كل احتفاء أغنية شارة هذا البرنامج بكلماتها المذهلة:

في قصص الشعوب / في قصص الشعوب /طرائف لا تنتهي

وعالم حلوٌ بهي /يسكن في القلوب /في قصص الشعوب

من كل بلاد الدنيا / من كل بقاع الأرض/ قصص شتى /

 تروى حتى /تعرف أحوال الإنسان / والكل هنا جيران/

فإذا زرناهم في الصورة/ في أحلى دنيا مسحورة/ كي نتسلى صرنا أهلا   

نعم، ما يمكن أن نقوله عن برامج الأطفال في زماننا كثير كثير، ولكن حين نتابع اليوم ما يعرض على شاشات التلفاز وعبر الفضائيات تنتابنا حالات قهر وحزن واستغراب بين ما كنا وما آلت إليه الحال؛ برامج اليوم صراخ وضجيج وصور سريعة مرعبة تترك الطفل في حالات استنفار وتأهب وكأن لا رقابة على ما يعرض أو لا اهتمام ولا اكتراث ولا قراءات حقيقية وواقعية لما سيؤول إليه حال طفلنا بعد سنوات وسنوات.

وكنا وكانت برامج أطفال بحق.. بحجمنا.. بحجم دهشتنا ودمعتنا وضحكتنا برامج أطفال بموسيقاها وصورها المبهجة الألوان وكلمات أغنيتها الساحرة.

العدد 1194 - 15/04/2026