ملاحظة
د. أحمد ديركي:
بعيداً عن الأرقام والتصريحات الرسمية، لعدم مصداقيتها والضياع الواضح فيما يتعلق بوباء كورونا ومدى انتشاره في البلاد، والمسؤولون في غياب تام، أو كحد أدنى شبه تام، يعيشون في أبراجهم العاجية بعزلة تامة عن هموم شعبهم، متنعّمين برخاء بأكل لحوم من هم خارج أبراجهم العاجية، من الواضح أن أرقام المصابين والوفيات ومن يعانون من وباء كورونا أكبر بكثير، وقد تصل إلى حد أكبر بآلاف المرات من الأرقام الرسمية المعلن عنها. أرقام مرعبة يمكن الحصول عليها من أي موقع الكتروني، بغض النظر عن مدى مبالغة هذا الموقع أو ذاك، ومن لا يملك ما يكفي من المعرفة أو المال ليطلع على مدى ضخامة الأرقام يمكن أن يستمع إلى عدد الوفيات اليومية المعلن عنها في حيه، وإن لم يستطع يمكن معرفة متوسط انتشار المرض من حديثه مع الأصدقاء والأقارب لمعرفة مدى انتشاره في محيطه. أي بالمختصر هناك ألف ألف وسيلة، وإن لم تكن علمية، لمعرفة مدى انتشار الوباء، وهي تكذب كل تصريحات المسؤولين والارقام الرسمية المتعلقة بهذا الخصوص.
مقابل كل هذه الأرقام المخيفة لا إجراءات توازيها، بل إهمال وتجاهل تام!
من ناحية أخرى تفيد تقارير دولية أن نسبة من يعيشون دون خط الفقر في سورية تصل إلى 90%. لنقل إن هذه الأرقام كاذبة ومشوهة للحقيقة، وإن كل تلك التهم التي اعتدنا أن يجري إلصاقها بكل ما لا يتوافق مع (ما يودّون) اعلانه، هناك مؤشرات متنوعة جداً تشير إلى مدى صوابية، أو الاقتراب من صوابية هذا الرقم، ومن أبسطها مستويات البطالة، الدخل، الاستهلاك… وغيرها وغيرها من المؤشرات المتعلقة بهذا الأمر.
لنقل إن رقم 90% مبالغ فيه، ولنحذف منه اعتباطياً 10%، فيبقى لدينا 80% من الشعب السوري، المقيم في سورية، يعيش دون خط الفقر. ما يعني أن هناك 80% من الشعب السوري يعيش بدخل مقداره ما دون 1.5 دولار يومياً. وهناك فقط 20% منه يعيش على خط الفقر وما فوقه. لن نغوص هنا في أسباب هذا التفاوت الطبقي الصارخ، والذي يعبر عنه في علم الاجتماع بـ(القنبلة الموقوتة).
فقر وانتشار كورنا، ما العلاقة بين الطرفين؟
يبدو أن العلاقة ما بين انتشار الكورونا بهذا الشكل المخيف والفقر، بهذا الشكل المرعب، علاقة وطيدة، وما يكرس قوة العلاقة ما بين الطرفين غياب كل الأنظمة الرسمية عن التدخل لكسر هذه العلاقة.
على سبيل المثال، لا الحصر، كل من يتقاضى 50 ألف ليرة سورية/ شهرياً يعيش دون خط الفقر! فما حال من يتقاضون دون الـ50 ألفاً شهرياً، أو العاطلين العمل، والأصح القول معطلين عن العمل؟
فلنبقَ ضمن الخيال الواقعي لنرى واقع من يتقاضون 50 ألفاً شهرياً.
من يتقاضى 50 ألف ليرة شهرياً، يتقاضى ما يقرب 25 دولاراً/ شهرياً، وفقاً لسعر الصرف الحالي، ولأن خط الفقر محدّد عالمياً بدخل 1.5 دولار يومياً، أي ما يوازي 45 دولاراً/ شهرياً (باحتساب الشهر 30 يوماً)، فهو يعيش دون خط الفقر، وعليه تقريباً مضاعفة دخله لـ(يترقّى) إلى شرف (مرتبة) خط الفقر.
بالعودة إلى من هو أو هي دون خط الفقر ويتقاضى 50 ألف ليرة/ شهرياً، أي عليه تقسيم الـ 50000 ليرة على فترة الشهر، أي تقسيم الـ 25 دولاراً على مدى 30 يوماً ليغطي كل مستلزمات الحياة اليومية، من الطعام إلى الطبابة إلى النق إلى الملبس إلى الضرائب… أي هناك 1666 ليرة يومياً (ما يوازي 0.83 دولار) لتغطية كل هذه المصاريف لمستلزمات الحياة ليوم واحد!
فتخيّل_ يا رعاك الله_ كيف يمكن أن توزع 1666 ليرة/ يوم لتغطي كل نفقات يوم تعيشه!
هنا إضافة إلى مستلزماتك الحياتية اليومية حضر وباء كورونا ليزيد من إنفاقاتك، ولا يزيد من دخلك! وأنت مجبر على زيادة نفقاتك اليومية وإلا (رحمك الله).
من أبسط مستلزمات مكافحة (انتشار) وباء كورونا، لا علاجه: الكمامة، لأنك مجبر على الخروج من منزلك لتأمين قوتك اليومي في ظل غياب تأمينه لك في هذه الظروف.
تباع الكمامة المعدة للاستخدام مرة واحد فقط لا غير في بعض الصيدليات بسعر 400 ليرة/ كمامة. أي على مبلغ 1666 ليرة يومياً أن يغطي، إضافة إلى مستلزمات عيشك في اليوم، سعر الكمامة! وبهذا يبقى لك 1266 ليرة/يوم لتبقى على قيد الحياة وتقوم بكل مستلزمات العمل، من التنقل من المنزل إلى العمل ومن العمل إلى المنزل إلى المظهر (الأنيق)، أي الملبس اللائق وحلاقة الذقن و…، إلى تأمين الطعام ومستلزماته (النثرية)، وإيجار المنزل وفواتير الكهرباء والهاتف والماء، والقيام بالواجبات الاجتماعية …. وغيره وغيره على أتم وجه! لا تنسَ أن هذا كلّه من مبلغ 1266 ليرة/ يوم! وفيما يخص الحد من انتشار وباء، لم نحتسب ثمن الكفوف والمعقمات الأخرى.
ولأن هذا المبلغ الضخم 1666 ليرة/ يوم في الأصل لا يكفي البقاء على قيد الحياة لمدة 24 ساعة، ويُحسم منه مبلغ 400 ليرة/ كمامة يتضخم المبلغ أكثر ويصبح 1266 ليرة/ يوم، ما يضع كل من هم دون خط الفقر أو واقفين عليه، أمام أحد خيارين: الموت بـ(كورونا)، أو الموت جوعاً! مع منظومة الحريات والتغني بها أنت حرّ الاختيار! ملاحظة: يا سادة يا كرام، كُفّوا عن لوم الفقراء ونعتهم بالجهل والغباء لأنهم لا يلتزمون بالإرشادات الصحية لتوقي الوباء. فالجهل والغباء ناجم عن استغلالكم لهؤلاء الفقراء في سبيل بقائكم في أبراجكم العاجية، التي سوف تُدكّ فوق رؤوسكم عندما يعي الفقراء مَن سبب فقرهم!