عن الأغنية الصرصورية
ما زلت أتذكر الحكاية الغنائية التي أصر معلمنا المثالي في الصف الخامس على أن نحفظها ونتمعن في معانيها ودروسها، كما حفظتها أجيال قبلنا وبعدنا، حتى صارت بديهية لا تحتمل الجدال:
هالصرصور هالصرصور
من هالنملة شو مقهور
وتمضي الحكاية عن الصرصور الكسلان الذي أمضى فصل الصيف في (النطْوَطة) والغناء، فيما كانت النملة تعمل بدأب منقطع النظير على ملء مخازن القمح لديها تهيئة لشتاء قاس قادم، حتى جاء الشتاء ولم يجد الصرصور ما يقتاته، فجاءها راجياً أن تعطيه بضع حبات قمح ولن ينسى فضلها للممات، لكن النملة أعطته بدل حبات القمح درساً في الأخلاق، حين نهرته وذكّرته بالصيف الذي ضيّعه في الغناء والسهر حتى الصباح في الملاهي والمقاصف المفتوحة على المدى، فيما ينام ساعات النهار كأي إنسان كسول منقاد إلى ملذاته الشخصية، على قول المرحوم علاء الدين الأيوبي في تحقيقاته مع مجرمين أوقعتهم حظوظهم السيئة ومصادفات بوليسية في أيدي رجال الشرطة…
ثم، حين كبرنا وأصابتنا سوسة القراءة، عرفنا أن القصة هي لكاتب فرنسي اسمه لافونتين، وليست من إبداعات المعلم الذي كنا نظنه دائماً أفهم إنسان في هذا العالم، ثم جاء زمن النت والفيسبوك، وظهرت روايات مختلفة عن النملة والصرصور كتّابها ممن أتاح لهم الفضاء الأزرق فرصاً لعرض رؤاهم وتخيلاتهم المغايرة للسائد والمتفق عليه.
يروى أن النملة الصغيرة كانت تعمل في الصيف والخريف دون كلل أو ملل، تجمع الطعام وتخزّنه للشتاء. وقد حرمت نفسها من التمتع بجو الصيف ونسائمه ومباهجه، فيما كان الصرصور يحتفل مع أصدقائه في مجارير المدينة، يغني ويرقص ويتمتّع بالطقس الجميل، ويعاكس الصرصورات العابرات دون اكتراث للشتاء الذي يدق الأبواب..
وحينما حل الشتاء،كانت النملة (مكنكنة) في بيتها المملوء بالمؤونة والدفء، وحين سمعت صوت الصرصور يناديها من الخارج فتحت الباب، دهشت حين رأت الصرصور الكسلان يركب سيّارة أودي دفع رباعي ويلبس معطفاً غالياً من الفرو.
دون أن يترك لها فرصة لالتقاط أنفاسها والسؤال عما غيّر حاله قال لها الصرصور:
صباح الخير يا حلوتي! لقد أتيت لأودعك لأني قررت أن أقضي هذا الشتاء في باريس.
هل تستطيعين، لو سمحتِ، بأن تهتمي ببيتي خلال غيابي؟
أجابته النملة:
– طبعاً. لا مشكلة
ولكن، قل لي: ما الذي حصل؟
من أين لك هذا؟
لم يكن هذا السؤال حساساً كما هو في أيامنا هذه، ويمكن أن يودي بصاحبه إلى أقبية معتمة.
لذلك أجابها الصرصور بكل رحابة صدر:
لن تصدقي طبعاً لأني أنا نفسي لا أصدق ما أراه حتى الآن، فبينما كنت أغني وحدي في أحد المداخل المعتمة، سمع غنائي أحد وكلاء شركات الإنتاج الفني، وأعجب به أيما إعجاب، ثم إنه تقدم مني ودعاني لأوقّع عقداً لإحياء حفلات فنية، ثم بدأ مشروع ترويج ما سمي بالأغنية الصرصورية التي تعتمد على إعادة إنتاج أغان قديمة وجديدة بتوزيع مختلف، برفقة بضع صرصورات راقصات أجريت لهن عمليات نفخ وشد وتطويل، وسمّوها بالفيديو كليب، ألم تسمعي الكليبات؟
هزت النملة رأسها بالنفي.
تابع الصرصور: وكما ترين الآن فقد درّت علي هذه الأغاني الصرصورية ثروة خرافية، وصرت نجم برامج الـ(توك شو) والحوارات والمسابقات أيضاً، تصوري أنهم اختاروني عضو لجنة تحكيم في أكثر من مسابقة تجريها قنوات التلفزيون.
ملّت النملة من هذا الحوار وانتابتها غيرة قاتلة من زميلها الكسول، خصوصاً أنها لم تقتنِ تلفزيوناً بعد في وكرها ولم تركّب صحناً لاقطاً للفرجة على هذه القنوات.
النملة المصعوقة من هول المفاجأة نطقت بعد صفنة طويلة:
بما أنك ذاهب إلى باريس فأرجوك أن تبحث عن قبر الكاتب الفرنسي لافونتين، وقل له:
النملة النشيطة تقرئك السلام وتقول لك:
سامحك الله يا لافونتين…جعلتني مضرب المثل في الهمة والدأب والنشاط، وها أنا ذا أعاني من آلام الديسك والروماتيزم بسبب العمل المتواصل، فيما الصرصور الذي (شرشحته) لكسله وطيشه ولامبالاته يركب (الأودي) ويسافر إلى باريس…
لم يتركها الصرصور تكمل كلامها إذ (شفّط) بسيارته ومضى إلى أعماله ونشاطاته التي لا تنتهي.