جوهر العملية السياسية: سيادة سورية ووحدتها واحترام خيارات شعبها
سمّت سورية منذ أيام ممثليها في لجنة الدستور السوري التي ستبحث تعديل الدستور الحالي، حسب ما اتُّفق عليه في الحوار السوري السوري في سوتشي، وجاءت الخطوة السورية بعد تصريح السيد رئيس الجمهورية خلال زيارته إلى روسيا، ومباحثاته مع الرئيس بوتين، بأن لدى السوريين حماسة لبدء العملية السياسية، بعد إنجازات الجيش السوري في عملية تطهير سورية من الإرهابيين، وحسب اعتقادنا، ورغم أهمية التأسيس على أرضية دستورية تلبي طموحات الشعب السوري، لكن، لا يمكننا اختزال العملية السياسية برمتها بالتعديل الدستوري، فهذه العملية تتضمن مسارات سياسية واقتصادية واجتماعية تمهد لوضع سورية على سكة المستقبل الذي يطمح إليه المواطنون السوريون، بعد أن قاسوا المرّ والويلات بسبب الأزمة وغزو الإرهابيين وتداعياتهما، ودفعوا الثمن الأغلى، الذي لم يدفعه شعب من شعوب العالم في التاريخ المعاصر.
نسارع هنا إلى تأكيد ما كتبناه على صفحات (النور)، فأيّ عملية سياسية لن تكون فعالة ومجدية مادام إرهابي واحد على الأرض السورية، ومادامت قوى عسكرية أجنبية تحتل التراب السوري، أو تتخذ لها مواقع داعمة لهذا الفصيل المسلح أو ذاك، في مواجهة الجيش السوري.
لذلك نرى أن أي انطلاق للعملية السياسية يجب أن يترافق مع خروج جميع المتدخلين عسكرياً في الأزمة السورية دون موافقة الحكومة السورية، وفي مقدمتهم الأمريكيون والأتراك، فهُم، بجميع المقاييس السياسية والعسكرية، محتلّون لأراضي دولة ذات سيادة.
لقد أكدت جميع المساعي التي بُذلت داخلياً وخارجياً لحل الأزمة السورية عبر الطرق السياسية، بما فيها القرار، 2254 احترام سيادة سورية واستقلالها، ووحدة أراضيها وانسجام مكوناتها الاجتماعية والدينية والإثنية، والحفاظ على خيارات الشعب السوري وحقّه في اختيار مستقبل بلاده وقادتها، بالاستناد إلى دستور عصري ديمقراطي، يعظّم منعة سورية وتطورها، من جهة، ويسمو بكرامة المواطن وأمنه ورفاهه، من جهة ثانية.
العملية السياسية تعني أيضاً وضع سيناريوهات إعادة الإعمار، وهي مسألة مصيرية، يتوقف على النجاح في تحقيقها مجمل التطور اللاحق في البلاد على الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، إذ تمهد الطريق لتحقيق تنمية اقتصادية اجتماعية، شاملة ومتوازنة، تهتم بالاقتصاد الوطني بقدر اهتمامها بمعالجة المعضلات الاجتماعية المتمثلة بالفقر.. والبطالة، وتهيئة الإنسان السوري الجديد، وتطوير المناطق الأكثر تخلفاً، التي شكلت وتشكل بؤراً حاضنة للأفكار المتطرفة والإرهابية.
وأخيراً.. فإن العملية السياسية تعني بالضرورة حواراً شاملاً ومفتوحاً بين السوريين، بمختلف مكوناتهم السياسية والاجتماعية والإثنية، للتوافق على كل ما من شأنه معالجات تداعيات الأزمة وغزو الإرهابيين، ووضع التصورات والاقتراحات لسورية الغد، الديمقراطية.. العلمانية.. المعادية للإمبريالية الأمريكية والاستعمار الحديث والصهيونية، المناضلة من أجل استعادة أراضيها المحتلة، والواقفة دائماً في مواجهة الأطماع الصهيونية بالتمدد والتوسع، المدافعة دائماً عن الحقوق المشروعة التي أقرتها المواثيق الدولية للشعب الفلسطيني بالعودة وتقرير المصير على أرضه، وإقامة دولته الوطنية وعاصمتها القدس.
المواطنون السوريون، كما كانوا خلال سنوات الجمر الثماني، صامدين خلف جيشهم الوطني في مواجهة الإرهاب، سيساهمون بجدّية وفاعلية وشعور وطني عالٍ في العملية السياسية، وسيعملون على إنجاحها، فما من مسألة أهم وأغلى على قلوبهم أكثر من بناء غدهم الذي يطمحون إليه.