الزمّارون ينعون المفكر سمير أمين بالشتم
بولس سركو:
ولد سمير أمين في مصر عام 1931وغادرها إلى باريس، وانتسب للحزب الشيوعي الفرنسي عام ،1951 تابع تحصيله العلمي هناك في العلوم السياسية أولاً، (1952)، فشهادة في الإحصاء (1956)، ثم شهادة في الاقتصاد (1957)، عاد إلى مصر، وسرعان ما غادرها مجدداً عام 1960 إثر ملاحقة مخابرات عبد الناصر للناشطين الشيوعيين.
شغل منصب مستشار اقتصادي لعدد من الدول الإفريقية، ومدير معهد الأمم المتحدة للتخطيط الاقتصادي في دكّار، وشارك في تأسيس منظمات بحثية وعلمية، وتوفي في 12/8/،2018 تاركاً إرثاً فكرياً كبيراً، تناول فيه بالتحليل المادي التاريخي الجدلي قضايا كثيرة، أهمها العولمة الأمريكية، وعلاقات التبعية بين المركز والأطراف، ومحاولات تجديد الماركسية حسب أنماط الإنتاج الجديدة، إضافة إلى 23 مؤلفاً في الفكر والسياسة والاقتصاد، تشكّل مراجع بحثية وعلامة فارقة في عصرنا، منها: (الطبقة والأمة في التاريخ وفي المرحلة الإمبريالية، قانون القيمة والمادية التاريخية، أزمة الإمبريالية أزمة بنيوية، التراكم على الصعيد العالمي، نحو نظرية للثقافة، في مواجهة أزمة عصرنا، نقد روح العصر، في نقد الخطاب العربي الراهن).
إذا كان تيار التثاقف النقدي هو التيار الوحيد السيادي المحترم الذي يعوّل عليه في الثقافة المعاصرة بين التيارين المتطرفين: الرجعي الرفضوي المتقوقع، والانبهار التابع المهزوم أمام الثقافة المركزية المتسلطة، فإن ذلك التيار النقدي قد فقد أحد أهم رموزه برحيل المفكر سمير أمين، الراسخ على أرضية الفكر الماركسي رسوخ الأهرامات، فهو أهم منظّري مناهضة العولمة المتوحشة التي جرفت غيره من كبار مفكّري عصرنا غرباً وشرقاً وشمالاً وجنوباً.
في كتاب (ثقافة العولمة وعولمة الثقافة -2012)، حوار بين رمزين هما: برهان غليون، وسمير أمين، لا نعرف كيف وجد فيه بعض النقاد تطابقاً بين وجهتي النظر المتناقضتين المطروحتين حول العولمة، فالكتاب حقيقة الأمر كان حلبة صراع فكري بين سمير أمين، كرمز لمفهوم السيادة الثقافية، ونقيضه برهان غليون، كأسير للمظاهر الفكرية للعولمة.
سمير أمين لم يرفض ثقافة العولمة من موقع العجز عن التفاعل مع الواقع الجديد، ولا العجز عن التثاقف وقبول الآخر، بل من موقع القدرة على الرؤية التاريخية والتحليل الجدلي، والمساءلة والمحاسبة، وبناء عليه رفض قبول فكرة غليون بأن العولمة ظاهرة جديدة لا علاقة لها باستراتيجية الهيمنة الأمريكية، فليست العولمة من أنتج التوسع الاستعماري، بنظر غليون، إنما هي مكسب للشعوب لترقيتها مدنياً، وخلاص للمجتمعات العربية، من التخلف والقهر والاستبداد، ومن الخطأ التصدّي لها ولا بديل للمنظومة النيرلبرالية القائمة اليوم، حسب تعبيره.
خطاب غليون يفضح انهيار اعتباره لذاته، بقدر تضخيمه لثقافة العولمة المتوحشة، والتغطية على مخاطرها الدموية، ونهبها لثروات الشعوب. فمنحُها الحق في السيادة على العالم هو خطاب ترويجي مكرّر مماثل لغيره من الخطابات الفكرية المتطابقة لحلفاء الأمريكي المتسلط، من دعاة العولمة التي تجترّ مأساتنا الوجودية، كل منها بأسلوب أدبي خاص بكاتبها، فمن حيث الجوهر، توحّد كل هذه الخطابات نظرتها إلى ماركسية بحكم المنتهية، ومشاريع دينية بحكم الناهضة، التي تمليها الظروف الاجتماعية، وجديد هو في واقع الحال قديم يحمل صفة مناقضة لمحتواه. وقد أكد سمير أمين هذه النقطة، معتبراً العولمة تقلب اتجاه تطور الحضارة رأساً على عقب، بمعنى أنها ظاهرة رجعية فهي امتداد للإمبريالية السابقة، أو كما وصفها بأنها الطور الثالث من أطوار التوسع الرأسمالي، فالحضارة الإنسانية لا يمكن أن تقام في ظل الرأسمالية، وأنه لا بد من تطوير استراتيجيات مواجهة هذا التحدي، حسب تعبيره.
إن الاختلاف بين الشخصيتين لم يقتصر على ماهية العولمة وتوصيفها ووسائل التعامل معها بالطبع، بل كان يتعمق كلما توسعت حلقة من حلقات الحوار حول المنهج الماركسي والمشروع الإسلامي، وحتى المصطلحات وتعاريفها، وجميع هذه الاختلافات متنافية بحدّة ظاهرة، فبين الشخصية السيادية والشخصية التابعة يستحيل التطابق.
لقد أثارت مواقف سمير أمين المناهضة للإمبريالية ورؤيته العميقة للحراك الشعبي الذي اجتاح المنطقة العربية، بعد إحراق البوعزيزي لنفسه في 17 كانون الأول من عام ،2010 من جوانبه المتعددة، أثارت امتعاض النخب المثقفة المرتبطة بمشروع العولمة، الناطقة بلهجة نظرية (نهاية التاريخ)، فأثاروا جعجعة أتباع يحسبون أنفسهم أسياداً حول الراحل، جعجعة إن دلت على شيء فهي تدل على الوظيفة الموكلة لهذه النخب، وعدم قدرة احترام الرأي من قبل مدّعي حرية الرأي، فبدلاً من توجيه الأنظار نحو الشيخوخة الملطخة بالدم والأقذار لمشيخات الخليج العربي والقوى الدولية المحافظة على استمرار بقائها وفاعليتها، وما أنتجته من سفاحين وقتلة وقطاع طرق دوليين، راحوا ينسجون صور شيخوخة مفترضة لأكبر مفكري عصرنا، فالسوري فاروق مردم بيك، مثلاً، من خلية يسار السوربون المشبوهة، هاجم سمير أمين في صفحته على فيسبوك متحدثاً عن موقفه (المشين) من (الثورة) السورية، وعن أفكاره التي هرمت وشاخت بسرعة حسب وصفه، وعن أدواته التحليلية البالية. تلك الصفات نفسها ترددت على لسان بشير البكر، رئيس تحرير العربي الجديد، متحدثاً عن شيخوخة أفكار سمير أمين وانعدام أخلاقه وحوله الفكري وتبريره القتل، في مقال بعنوان (صمت المفكر) اعتبر فيه المفكر ميتاً منذ زمن طويل. وكان المصري محمود هدهود في العربي الجديد أيضاً قد بدا محتاراً من موقف سمير أمين من (الثورة) المصرية، ومن رفضه لأية قراءة مركبة للإسلاميين وموقعهم الاجتماعي، باعتباره لهم عملاء مفضّلين للإمبريالية، مع أن قراءة سمير أمين للأحداث تميزت بعدم المراوغة ولا التحايل بل بالصدق، بحسّ سيادي رفيع، نظري تجريدي في التقييم العقلي العلمي للواقع ومسار التاريخ، منحازاً للطبقات المفقَرة ولحقوق الدول وسيادتها المتعارف عليها عالمياً.
بقليل من العبارات التي لم تمت ولن تموت أبداً، كان سمير أمين قد حسم الضجيج الانفعالي قائلاً: (كي نسمّي ما جرى ثورة لا بد من تحقيق ثلاثة أشياء: العدالة الاجتماعية، ولن يحدث ذلك إلا بسياسة اقتصادية مختلفة عما كان سائداً، ثانياً ديمقراطية حقيقية في العلاقات الاجتماعية في العائلة والعمل، وثالثاً تحقيق استقلالية للوطن في المنظومة العالمية، وللأسف الثورة لم تحقق أيّاً من هذه الأهداف).
وانتقد المعارضة السورية لخلوّ نشاطها من برنامج سياسي قائلاً: (مطلبها الوحيد رحيل الرئيس، وأيّ حركة من دون مطالب ستعطي شرعية كبيرة للإخوان المسلمين).
رحل مناضل الفكر بكرامة وهو يزرع الأمل، ففي كتابه (ما بعد الرأسمالية المتهالكة) بشارة بعالم قادم تسوده العدالة وفق مؤشرات واقعنا الحالي والآثار البعيدة المدى للثورة التكنولوجية، رحل وهو يدافع عن فقراء العالم الثالث وشعوب الجنوب. لقد قضى عمره يدرس ويحلل واقعهم مكرّساً معارفه الأكاديمية في علم الاقتصاد من أجل نهضتهم وتحريرهم من سطوة التبعية التي يجتهد مرتزقة الفكر ومنتجو قطعان العبيد على تكريسها.