أزمة مالي وانعكاساتها على مشكلات القارة الإفريقية

استبقت القوات الفرنسية العاملة في مالي وفي دوار الجوار أيضاً، جلسة مجلس الأمن الدولي الطارئة، والمقررة خلال الـ24 ساعة القادمة، بشن طلعات عسكرية مكثفة على أربع مدن شمالية مالية، تسيطر عليها الحركات الأصولية المتشددة. وجاء هذا الهجوم العسكري الجوي الفرنسي بعد عدة محاولات قامت بها المجموعات الإسلاموية المسلحة السيطرة على عدة مدن في وسط البلاد، وصولاً إلى تصريح عدد من قادتها عزمهم مواصلة الزحف (الشمالي) نحو العاصمة المالية وتحريرها.

الأزمة التي بدأت قبل تسعة شهور (في شهر آذار الماضي)، وأدت عملياً إلى سيطرة (الشماليين الانفصاليين) على عدد منها، ثم إعلانهم تحرير الشمال، ما لبثت أن تحولت إلى اقتتال شمالي- شمالي، بين جهة تحرير آزاداد والمتشددين الإسلاميين ويمثلون عملياً جزءاً من القطاعات العسكرية لمجموعات القاعدة العاملة في الشمال المغربي وجواره أيضاً. وانتهى هذا الاقتتال (الداخلي) بسيطرة الأصوليين المتشددين على الشمال، و(إرفاق) سيطرتهم هذه باحترام حدود دول الجوار، حيث تنتشر قبائل الطوارق من جهة، وبعدم التوجه نحو الجنوب أو إشغاله بحروب قبائلية – إسلاموية من جهة ثانية. فضلاً عن تعهدهم باحترام المواثيق والمعاهدات الدولية، ومطالبتهم (المجتمع الدولي) وبخاصة الأمم المتحدة احترام استقلال شمال مالي.

ورغم عدم اعتراف الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي بهذه الحركة (الانفصالية)، فقد ظلت أمور مالي تتفاعل طوال الشهور التسعة الماضية، دون أية إجراءات عقابية دولية أو إفريقية، أو التلويح بها على الأقل، باستثناء مسألة عدم الاعتراف بما حصل. ولم يكن المتمردون يتوقعون الحصول عليه أصلاً.

كما ساهمت (حسابات) دول الجوار، وبخاصة تلك التي تضم في نسيجها الديمغرافي قبائل الطوارق في ازدياد حدة المعارك بين متمردي الشمال والجيش الحكومي المالي، ورجحان كفة الموازين العسكرية عملياً لصالح المتمردين.. واكتفت مجموعة دول غرب إفريقيا والاتحاد الإفريقي عموماً بعدم الاعتراف بالحركة الانفصالية، واستمرت محاولتها البحث عن حلول (وسط) بين طرفي الاقتتال.. ولزمت الجزائر التي تملك أطول حدود جغرافية مع هذه الدولة (تتجاوز 800 كم) الحذر في التعاطي مع هذه الأزمة، وخاصة مسألة التدخل العسكري المباشر لدول الجوار، وإن كان مدعوماً دولياً بقرارات صادرة عن مجلس الأمن الدولي، أو مجموعة دول غرب إفريقيا، فضلاً عن رفض الاتحاد الإفريقي الاعتراف بهذه الحركة الانفصالية.

جديد التطورات في شمال مالي تلخص في السيطرة الكاملة للمتشددين الأصوليين على مدن الشمال وتطبيقهم (الشريعة الإسلاموية) من جهة، وإعلانهم إرسال قواتهم إلى وسط البلاد، خطوة نحو تحريرها وإسقاط العاصمة.. وبالتالي إقامة إمارة إسلاموية في مالي.. وهذا ما يشكل نقضاً لتعهداتهم السابقة حول الاكتفاء بتحرير شمال البلاد أولاً، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول الجوار المالي، وبخاصة تلك التي تنتشر فيها بعض من قبائل الطوارق من جهة ثانية.. وإن المسألة تمثلت حقيقة في محاولة كسب الوقت من جهة، وجس مواقف دول الجوار أيضاً.. وقد تزامن ذلك مع إعلان أطراف عديدة من مجموعات القاعدة المسلحة، أو قواتها العسكرية المنتشرة في المنطقة بأن الهدف الاستراتيجي لحركتهم، التي بدأت في بعض مدن الشمال المالي، يتلخص في إقامة إمارات إسلاموية متشددة، أينما استطاعوا ذلك في دول الجوار المالي راهناً.

فرنسا التي تصنف المتضرر الأكبر دولياً من هذا التمدد الأصولي في دول الجوار المالي، التي تربطها علاقات تاريخية- استعمارية بهذه الدول، خشيت أيضاً أن تتأثر علاقاتها الاقتصادية- السياسية مع دول الجوار المالي مستقبلاً، ومن امتدادات الحركة الأصولية المتشددة إلى الأراضي الفرنسية من خلال وجود أعداد إفريقية (فرانكوفونية) في فرنسا، ومن استمرار هجرة الأفارقة، وبخاصة دول الجوار المالي (الساخنة) إلى أراضيها، وأن تشكل مستقبلاً لوبيات إفريقية أصولية متشددة على أراضيها.كذلك توحدت غالبية الأحزاب الفرنسية حول مخاطر هذه الخطوات المتتابعة التي بدأت في الشمال المالي، على دول الجوار (الفرانكوفونية) وصولاً إلى فرنسا نفسها. وتشهد القارة الأوربية والعالم تنافساً دولياً حاداً، حول كيفية التعامل مع هذه القارة (استثمارات- علاقات اقتصادية- سياسية.. إلخ)، وتتميز فرنسا عن غيرها من هذه الدول بانضواء عدد هام من هذه الدول المعنية بالصراع المالي في رابطة (الفرانكوفونية) أولاً، وبوجود جالية إفريقية متأثرة، ولاتزال بالتطورات في بلدانها، وخاصة الاتجاهات الإسلاموية واحتمالات انتقال هذا التأثير إلى فرنسا أيضاً.

لهذه الأسباب وغيرها بادرت فرنسا دون غيرها، أو سبقت العديد من الدول، تساندها ثلاث دول من الجوار المالي، في إرسال وحدات عسكرية رمزية، وإن كانت كل منها لا تتجاوز الـ500 جندي لمساعدة القوات الفرنسية التي تملك جالية فرنسية مهمة في مالي، وخاصة في جنوبه، كذلك في الدول المجاورة لمالي. ودعت إلى عقد جلسة سريعة لمجلس الأمن الدولي بهدف اتخاذ إجراءات فعلية قد يتضمنها البند السابع تجاه ما يجري في مالي، ومطالبة دول غرب إفريقيا والاتحاد الإفريقي باتخاذ إجراءات تتناسب والتطورات الجارية في مالي، بعد أن أعلن الانفصاليون فيها عزمهم على تحرير كل البلاد وصولاً إلى العاصمة، في خطوة نحو إقامة إمارات إسلاموية – متشددة في المنطقة.

إن التفاعلات والتطورات الجارية عملياً تدور في دول تصنف على قائمة الدول الإفريقية الهامة فرنسا قبل غيرها (الفرانكوفونية).. وإن الوجود العسكري الأجنبي الفرنسي في دول إفريقية خدمة لمصالح فرنسية ضيقة وضد رغبات شعوبها، ونهب الثروات وإفقار الدول وغض الطرف حيناً عن المجموعات المسلحة ودعمها حيناً، واللجوء إلى التدخل العسكري لحل الأزمات لن يكون وسيلة ناجحة لتحقيق الهدف، وسيخلق توترات وكوارث لا تحتاج القارة الإفريقية إلى مزيد منها.. ولهذا يصبح مفهوماً هذا التحرك الفرنسي العسكري والمساندة العسكرية للجيش المالي النظامي، وصولاً إلى التدخل العسكري الفرنسي المباشر في مالي.. فالمصالح الفرنسية باتت (مهددة)، وامتداداتها باتت أكثر وضوحاً في دول الجوار المالي، وصولاً إلى انعكاساتها على الجالية الإفريقية في فرنسا أيضاً.

أما مجلس الأمن الدولي ومجموعة دول غرب إفريقيا والاتحاد الإفريقي عموماً، فستجد نفسها مضطرة إلى مراعاة هذه الخطوة الفرنسية، إن لم يلاق دعماً مباشراً إفريقياً ودولياً لها.. بعد أن شكلت باريس، لأسباب عديدة، رأس الحربة في التعاطي مع الأزمة المالية الحالية وانعكاساتها أيضاً.

العدد 1191 - 18/03/2026