من الصحافة العربية العدد 575

تجارة العذاب

هل كان يدور في خلد أي سوري أو سورية، ممن اضطرتهم ظروف الحرب والقتل والدمار لمغادرة بلادهم، أن يجدوا تعاملاً على نحو ما يتعامل به معهم بعض أشقائهم العرب من جحود واستغلال وإهمال؟

هل كان أحد من مئات الآلاف من السوريين النازحين يتوقع أن تصبح قضيته موضوع اتجار بالعرض ومتاجرة بالعذابات، في المخيمات التي أقيمت من أجلهم. فواجه أهلها النار من بنادق الشرطة في غير مكان، ولاقوا افتراساً لأعراضهم وبناتهم في أماكن متعددة، إما باسم (زواج السترة)، أو بمهر لا يتجاوز ال 500 جنيه مصري (أي ما يعادل 75 دولاراً أمريكياً)، كما كشف تقرير للمجلس القومي للمرأة في مصر صدر قبل أيام عن (12 ألف عقد زواج بين مصريين وسوريات معظمهن قاصرات)؟!

لقد صدّق هؤلاء ما كانوا يسمعونه على لسان بعض المسؤولين العرب من (غيرة) على الشعب السوري وحرص على حريته، وصدّقوا أيضاً ما كانت تردده بعض وسائل الإعلام، بأن كل ما تشهده سورية من قتال ودمار وتدخل خارجي إنما يهدف إلى (حماية المدنيين السوريين)، وهو شعار يذكّرنا (بحماية المدنيين الفلسطينيين) في مخيمات صبرا وشاتيلا إثر الغزو الصهيوني للبنان عام 1982.

ثم صدّق هؤلاء ما كانوا يسمعونه من أنصار (الثورة السورية)، واعتقدوا أن مناطق اللجوء التي سيصلون إليها ستكون مفروشة بالورود والرياحين، وربما سيحلّون ضيوفاً على فنادق سبعة نجوم التي تجري عادة فيها مؤتمرات (أصدقاء) سورية و(زعمائها).

لقد سمع هؤلاء بالمليارات من الدولارات الأمريكية تنفق على تسليحٍ وتمويلٍ وتحريضٍ على الاقتتال في سورية، فلم يعتقدوا مطلقاً أن هؤلاء المانحين (بسخاء) على الحرب، سيبخلون على نازحين اضطرتهم الحرب إلى مغادرة بيوتهم وديارهم هائمين شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً، بحراً وجواً، حيث تسمح لهم القوانين بالدخول دون تأشيرة.

ولقد أطمأنت قلوبهم، وفرحت ضمائرهم، إلى شعار كريم وجميل مليء بالعزة والعنفوان، رددته بعض الحناجر في مدن سورية قبل عامين ونيّف: (الموت ولا المذلة..) ولكن لم يخطر ببال أحد أن يتحول هذا الشعار ليصبح (الموت داخل سورية.. والمذلة خارجها).

وحين ظنّ سوريون كثر وعرب أكثر، أن ما يجري في سورية يستهدف نظاماً أو حزباً أو رئيساً، اكتشف كثيرون منهم أن الأمر يستهدف أولاً دولة بمكانة سورية، ومجتمعاً بتنوع المجتمع السوري، وتاريخاً بعراقة التاريخ السوري، وجيشاً بعظمة (جيش تشرين)، بل عروبة جامعة طالما شعّت من عاصمة الأمويين الشام دعوة لوحدة العرب.

لقد صادفتُ نازحة سورية في سيارة عمومية، تريد التوجه إلى سفارة دولة معيّنة لتحصل على تأشيرة سفر إلى تلك الدولة التي يعمل فيها زوجها، خصوصاً بعد أن تشتت أهلها، ودمر منزلها، وقالت لراكبي السيارة: (لقد خرجت قبل سنة من تلك الدولة مؤقتاً من أجل الحصول على تأشيرة تسمح لي بالإقامة مع زوجي.. ومنذ ذلك الحين وأنا أحاول ولا أجد سوى ما يشبه الإهانة على أبواب تلك السفارة التي طالما ذرف مسؤولون فيها الدموع على الشعب السوري).

إذا أردت أن تعرف ماذا يدور في سورية، فما عليك إلا أن تنتقل في شوارع عواصم العديد من الدول العربية، أو أن تذهب إلى أحد تجمعات النازحين السوريين أو النازحين الفلسطينيين من سورية، لتدرك حقيقة (المؤامرة) على سورية وشعبها ودورها، وهي (مؤامرة) اعترف مؤخراً الشيخ أحمد معاذ الخطيب بوجودها لتقسيم سورية.

ويبقى السؤال: هل يعجز النظام الرسمي العربي، ولا سيّما بعض الدول النفطية، عن أن يخصص نسبة ضئيلة مما يخصصه لشراء أسلحة وأجهزة وتذاكر طائرات وإقامة في فنادق، لأبناء سورية النازحين إلى خارج بلدهم، وداخلها في آن؟

أم أنها عقوبات جماعية مستمرة لشعب حمل مشعل العروبة وفلسطين والمقاومة على مدى سنوات في ظل ذريعة (ممجوجة) هي إسقاط النظام… تماماً كإسقاط دول كالعراق وليبيا وربما غيرها.

إنها قراءة سياسية في قضية إنسانية.

معن بشور

(السفير) 10/4/2013

 

خيبة أمل الشعب في (الإخوان المسلمين) السوريين

خيب الإخوان المسلمون آمال السوريين الذين كانوا يعتقدون أنهم غيّروا منطلقاتهم السياسية والاستراتيجية القديمة، من خلال مقررات مؤتمرهم الذي عُقد عام ،2003 ونص على أن هدفهم إقامة دولة مدنية ديمقراطية تعددية، واحترام معايير الدولة الحديثة وحقوق الإنسان والمواطن، والاحتكام إلى صناديق الاقتراع. مما أوحى أنهم تحوّلوا إلى حزب تنويري حديث، يأخذ باعتباره التطور وشروطه الموضوعية، وبالتالي فهم يسعون إلي إقامة دولة عصرية، تتجاوز محرماتها السابقة ولا تصرّ سوى على احترام (الأخلاق الإسلامية).

وفي ضوء هذا رحّبت فصائل المعارضة السورية بالتعاون، بل بالتحالف معهم، وهذا ما ذهب إليه (التجمع الوطني الديمقراطي) الذي كان يضم عدة أحزاب قومية ويسارية سورية، وأصدر معهم ما سُمّي ب(إعلان دمشق) الذي وقّعته أحزاب (التجمع) إضافة إلى الإخوان المسلمين، وشخصيات ليبرالية سورية.

بعد عام من صدور إعلان دمشق، فوجئت أطراف الإعلان بقيام تحالف بين عبد الحليم خدام، نائب رئيس الجمهورية المنشق، وبين الإخوان المسلمين وتيارات أخري في أوربا، دون أن يستشير الإخوان حلفاءهم أطراف إعلان دمشق، وعندما سئلوا أكّدوا استمرارهم في إعلان دمشق، وأن تحالفهم الجديد ليس ضده بل تعزيزاً له. وعام ،2008 أثناء العدوان الإسرائيلي على غزة، فوجئ الحلفاء مرة أخرى، بأن الإخوان أعلنوا مهادنتهم للنظام السوري (بسبب موقفه الإيجابي ضد العدوان) حسب زعمهم، ثم حدثت قطيعة كاملة بين الإخوان وبين عبد الحليم خدام، وأخيراً بينهم وبين معظم أطراف إعلان دمشق. وبدأت الشكوك تتعزز بين الحلفاء بأن مواقفهم بالتعاون أو التحالف غير جادة، وأنهم يعملون لحسابهم فقط.

سلق المجلس الوطني

تأسس (المجلس الوطني السوري) في أيلول عام ،2011 وكان تأسيسه على عجالة ولم يتم من خلال التشاور مع فصائل المعارضة الداخلية، وتبين فيما بعد أن (سلق) تأسيس المجلس وعدم استشارة الداخل، بل إقصاءه، كان بضغط (وفعل) من الإخوان المسلمين، كي يبقوا هم الأكثرية في المجلس، وبالتالي أصحاب القرار. وحاولوا بكل الوسائل أن يبقوا هم القوة المحركة للمجلس من جهة، وأن يقنعوا الجميع (في الداخل والخارج) بأن المجلس (أي هم) الممثل الشرعي للشعب السوري. وشنّوا حملة واسعة على فصائل المعارضة الداخلية، واتهموها بأنها عميلة للنظام، وشوهوا سمعتها، ليبقى المجلس الذي يسيطرون عليه، هو الوحيد الممثل للمعارضة، حتى لو كان الأمر على حساب وحدة المعارضة ووحدة أهدافها وبرامجها، وتشرذمت المعارضة فعلاً وصارت عصية على التوحيد.

الإخوان يسلحون المعارضة

عندما تحولت المعارضة السورية إلي مسلحة (بإرشادهم وإلحاحهم) شكّلوا تنظيمات مسلحة لهم وحدهم، ورفضوا أن تتوحد مع التنظيمات الأخرى، وفي الوقت نفسه، استولوا على المساعدات المالية التي كانت تُرسل إلى المجلس الوطني. وأمام إلحاح المعارضة الداخلية على وحدة المعارضة، وصل الجميع بإشراف الأمين العام للجامعة العربية، إلى إقرار اتفاق توحيدي، وتوقيعه في القاهرة من قبل ممثلي المعارضة الداخلية ومن رئيس المجلس الوطني وبعض أعضائه. ورفض الإخوان المسلمون وثيقة الاتفاق. وفي اليوم الثاني (اليوم الأخير من 2011) أجبروا من وقّع على التراجع عن توقيعه، باعتبارهم الكتلة الأقوى بالمجلس. وفشلت الخطوات الجدّية الأولى لوحدة المعارضة، وأخذ الإخوان المسلمون يوجّهون المجلس الوطني كما يريدون، حتى شعر الجميع بضرورة إعادة هيكلته، دون أن يهتموا بهذا المطلب، إلى أن انتقدت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون المجلس الوطني واعتبرته عاجزاً. فاضطرت (قطر والجامعة العربية) إلى الدعوة إلى مؤتمر الدوحة، وتم تشكيل (الائتلاف الوطني السوري) على الرغم من عدم رغبة الإخوان المسلمين بذلك. إلا أنهم التفوا على تشكيل الائتلاف، بمساعدة قطرية، واستحوذوا على معظم عدد أعضائه، وشكّلوا مع بعض أنصارهم أكثرية فيه. وهكذا حوّلوه إلى مجلس وطني جديد يأتمر بأمرهم، وأقصوا معظم الفئات الأخرى عن هذا الائتلاف. قرر الائتلاف تشكيل حكومة مؤقتة، ونظراً لأن الإخوان المسلمين يشغلون أكثرية أعضائه، اختاروا رئيس وزراء كما يريدون، ورفضوا كل الاقتراحات الأخرى التي أرادت التوافق ووضع أوّليات مختلفة للائتلاف لا يقع على رأسها تشكيل حكومة مؤقتة، حتى إنهم رفضوا استقدام المرشح لرئاسة الحكومة ليناقشه أعضاء الائتلاف الذين سينتخبونه، وليتعرفوا عليه. مما اضطر بعض أعضاء الائتلاف للانسحاب منه قبيل بدء الانتخاب أو بعده، أو تجميد عضويتهم فيه. كما اضطر رئيس الائتلاف إلى الاستقالة، وبهذا ختم الإخوان المسلمون علاقتهم بالمعارضة السورية خلال عشر سنوات، وأكدوا بوضوح أنهم إقصائيون يقولون شيئاً ويفعلون عكسه (قل ما يرضي الناس واعمل ما يرضيك). وهم بالتالي لم يغيروا لا سياساتهم ولا استراتيجياتهم كما جاء في مؤتمرهم المشار إليه آنفاً، ومازالوا يطمحون إلى إقامة دولة إسلامية على طريقة المرحوم حسن البنا وأفكاره (الإسلام دين ودولة).

صنو الإخوان المصريين

اعتقد السوريون أن الإخوان المسلمين السوريين هم غير الإخوان المصريين، بسبب طبيعة المجتمع السوري وتنوعه واهتماماته التاريخية وأفكاره وممارساته. وعند أول منعطف وممارسة لهم، تبين أنهم صنوان: إقصائيون وحيدو النظرة متخلفون سياسياً وإيديولوجياً، ولم يستفيدوا من التطور الإنساني شيئاً، كما لم يستوعبوا بعد الظروف الموضوعية والشروط الإنسانية التي تمر بها سورية والبلدان العربية والعالم. ولذلك تكوّن رأي سوري عام غير قريب منهم كما كان الأمر قبل سنوات، وليس بعيداً عن معاداتهم، وخسروا  حسب معظم المراقبين  بقايا شعبيتهم، وعلى الأغلب  حسب هؤلاء المراقبين أيضاً  أنه لن يكون لهم دور مهم في سورية بعد سقوط النظام.

حسين العودات

(الأهالي) 2/4/2013

العدد 1182 - 18/01/2026