بحجم الوطن
ها هو ذا ظلي يلاحقني نحو المخابئ السرية حيث يغفو الزعفران.. ويبني بيني وبينه حائطاً من الشك والخوف أغلفه بيقين هش، فيبحر نحو زوارق السخرية والموت.
وها هو ذا زمني انكسر فيه ضوئي وبقيتُ عاجزة. لألمح صورتي تتبعثر في كوة يتسلل منها ضوء خافت، فماذا أرى؟!
أرى قلوباً محفوفة بالموت.. ركاماً من الجماجم.. ضحكات مخنوقة ودمعاً يستأذن هذا الضجيج المتكاسل ليفرغ ما اختزنه من صمت مفجع.
أرى لغات مشردة ومفردات مكبلة على جدار بيت أو محطة باص، بل هي داخل صقيع منزل يحتوينا ونغترب عنه.
تئن اللحظة جوفاء تلسعنا ريحها وتقضّ مضاجعنا وتستبيح حدود أحلامنا وحدود أبجديتنا، وتهرع الطبول تدق لأول فاتح.
أين أنا منك أيها الوطن الممدود على شفير هاوية؟ وأين أنت مني في هذا التراب العفن المنحل في جسد أخذ هيئة وطن؟
خذني إليك إن كنت وطناً (بحجم الوطن)، غيّبني بين تفاصيلك ولا تأذن لجواز السفر المعلق بين آهتين بابتزازنا. ولا تأخذني إن كنت وطناً مغموراً بالموت حتى ساعديه وأكفه تلطم الخيبة والأنين!
خذني إليك إن كنت وطناً (بحجم الوطن)، وارم دواتك على جراحي ليزهر قلبي ويعلو فوق حدودك. ولا تأخذني إن كانت خطاك تلطّخ أبجديتي التي عهدت وتصادر مساحات حدودي!
حطام أنت وألم أنت، يهزّ ساعدي لاحتضان عاشق أثمر فيَّ الخوف والقلق.. وهل هنالك أجمل من لحظة قلق، حين تنغمس في جسدين استعجلا فرحهما.. حتى لا تطولهما عيون المارة.. وحراس وطن عجنه الأنين.. ووجع الفَقْد..؟!
مهلك أيها الوطن وأزح غشاوة الموت عن عيني كي أرى مداك! واكسر قيودك كي أتحسس جلدك النافر مني، وافسح لي المجال قربك، وأمسكني بيدك جيداً فلن أقاوم حتى لا تخاف مني… !
وأخبر الآخرين حين يسألونك عن وطن يسكنونه، أخبرهم عن وطننا وعن فجيعتنا نحن، حتى يعذرونا على موتنا البطيء!