في مفاجأة الانتخابات البرلمانية الباكستانية وتبعاتها

كرست نتائج الانتخابات البرلمانية الباكستانية التي جرت في 11 أيار، حقائق عديدة، بدءاً من حجم التغيير الانتخابي، إلى طبيعة الاصطفافات والتجاذبات ما بعدها، مروراً بإظهارها مرة أخرى حقيقة الموزاييك الديمغرافي الإثني والعرقي والقبائلي الباكستاني.. فضلاً عن انعكاسات نتائج هذه الانتخابات على التوجهات الداخلية (الاقتصادية- الاجتماعية) المفترضة للقوى الباكستانية البرلمانية، الأكثر تأثيراً راهناً، وعلى ضوء نتائج هذه الانتخابات في كيفية معالجة الصعوبات الباكستانية، على حدتها وتنوعها وشمولها مفاصل الحياة الباكستانية.. كذلك تأثير هذه النتائج والتركيبة البرلمانية والحكومية الجديدة، على طبيعة التعاطي مع الملفات الساخنة للعديد من دول الجوار، وبخاصة الملف الأفغاني المتداخل والمتمازج إلى حد كبير مع جارته باكستان.

الانتخابات التي جرت في ظل ظروف بالغة الحساسية وعناوينها الأساسية، حجم الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها باكستان: (الديون المقدرة ب170 مليار دولار، ضعف الاقتصاد الوطني، البطالة، التضخم، فساد أجهزة الدولة، انقطاع التيار الكهربائي لأكثر من 16 ساعة يومياً.. إلخ)، والتي لم يستطع حزب الشعب إيجاد حلول لها في ولايته البرلمانية والرئاسية السابقة.. كذلك اقتراب موعد الانسحاب الاحتلالي الأجنبي، وبخاصة الأمريكي، من أفغانستان المقرر في نهاية عام 2014 وانعكاساته على دول الجوار، وتحديداً باكستان بعد إعلان الرئيس الأفغاني حميد كرزاي، الذي تنتهي ولايته الثانية والأخيرة عام 2014 أيضاً، موافقته على بقاء 9 قواعد عسكرية أمريكية في مختلف الأراضي الأفغانية، وبضمنها الحدودية، كذلك بقاء قوات (رمزية) أخرى من دول حلف الناتو، بهدف متابعة مهمات الدعم والتدريب والاستشارة للقوات الحكومية الأفغانية.

وعكست هذه الأوضاع الداخلية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية كذلك الحالة الجوارية نفسها على الانتخابات، انسجاماً ومواقف الأحزاب والقوى الباكستانية تجاهها، التي طرحت في برامجها وشعاراتها الانتخابية، فضلاً عن الأوضاع الداخلية القبلية وتعقيداتها وتأثيراتها على مجرى الانتخابات ونتائجها أيضاً.

فقد أكدت النتائج فوزاً كبيراً وغير متوقعٍ لحزب (الرابطة الإسلامية)- جناح نواز شريف، رئيس الوزراء الباكستاني لولايتين سابقتين، قبل أن يطيح به قائد الجيش آنذاك برويز مشرف عام ،1997 وتوليه رئاسة البلاد، ونفي شريف خارج باكستان، حصول حزبه على 125 مقعداً برلمانياً، ومثل بذلك القوة البرلمانية الأولى، التي تحظى بالغالبية البرلمانية في حال إضافة النواب المستقلين والمناطقيين والقوائم النسائية التي ينص عليها الدستور الباكستاني.

في الوقت الذي سجلت فيه نتائج الانتخابات صعوداً صاروخياً ومفاجئاً لحركة (الإنصاف) بزعامة نجم الكريكيت عمران خان، وتبوُّؤ حركته الموقع البرلماني الثاني بحصوله على 32 مقعداً برلمانياً. فيما سجلت هذه النتائج أيضاً خسارة كارثية لحزب الشعب، هي الأسوأ في تاريخه، ونيله 31 مقعداً برلمانياً فقط.. كذلك خسارة (الجماعات الإسلامية)- تيار حركة الإخوان المسلمون- وزنهم البرلماني السابق، وحصولهم على ثلاثة مقاعد برلمانية فقط. وإن أكدت هذه النتائج حجم المفاجأة المدوية، ومدى التغيير الانتخابي الكبير، وخاصة بين الحزبين الكبيرين التقليديين تاريخياً، الرابطة الإسلامية وحزب الشعب، لصالح الحزب الأول وبفارق لم تسجله الانتخابات الباكستانية السابقة، فإنها سجلت كسراً انتخابياً لاحتكارهما التقليدي للتركيبة البرلمانية الأساسية، ولنظام الحزبين من خلال تصدر حركة (الإنصاف) الجديدة (لم تكن ممثلة في البرلمان سابقاً) الموقع الثاني برلمانياً. كما أظهرت الانتخابات مجدداً حجم التأثير القبائلي- المناطقي، رغم هذا التغيير الانتخابي البرلماني الوطني الفيدرالي، عبر بقاء حزب الرابطة الإسلامية مسيطراً على ولاية البنجاب -معقله التاريخي- وتالياً تشكيله حكومة هذا الإقليم، كذلك بقاء حزب الشعب مسيطراً على ولاية السند، وتالياً حكومة الإقليم، وتصدُّر حركة (الإنصاف) وغيرها من القوائم والشخصيات في ولاية بيشاور الحدودية.

ورغم تصدر الهموم الاقتصادية – الاجتماعية، فضلاً عن السياسات الخارجية الباكستانية، وخاصة مع دول الجوار، البرامج الانتخابية للأحزاب المشاركة، وحجم المشاركة الواسعة للناخبين الباكستانيين، التي قدرت بنحو 60%، هي الأولى منذ انتخابات عام ،1970 والتي لم تسجل الانتخابات البرلمانية السابقة مشاركة أكثر من 30%، فإن طبيعة التغيير الانتخابي، وتالياً التركيبة البرلمانية والحكومية القادمة، تواجه تحديات كبيرة وطنية وخارجية كثيرة، تتلخص في وقف تدهور الاقتصاد، ومحاولة معافاة مفاصله الأساسية، وخصوصاً قطاعات الإنتاج الرئيسية وقطاع الخدمات التي يعاني من واقعها الراهن غالبية الشعب الباكستاني.. كذلك محاولة إيجاد قواسم مشتركة بين الأحزاب البرلمانية الحالية، على اختلافها، في كيفية تنفيذ هذه المهمات والتحديات الوطنية، في ظل تركيبة برلمانية وطنية فيدرالية، وحكومات أقاليم رئيسية مختلفة، ومناطق قبلية، وبخاصة شريط الحدود الباكستانية- الأفغانية المشتركة. كذلك الامتدادات الأصولية المتطرفة في هذه المناطق، وازدياد دور وتأثير حركة طالبان- باكستان، التي هددت وعملت على إعاقة الانتخابات وتعطيلها في العديد من المناطق، وبخاصة الحدودية.. إضافة إلى الصعوبات التي تواجهها باكستان في علاقاتها مع دول الجوار وتعقيدات من جهة، وكيفية التعامل مع المتغيرات الآسيوية المتتابعة، الآخذة نحو التنسيق والتعاون القاري من جهة ثانية.. ولا نغفل هنا خصوصية العلاقة الأمريكية – الباكستانية، وانعكاساتها على شبكة العلاقات الباكستانية الجوارية والقارية، وفي حدود ليست قليلة، والدولية أيضاً، والتي تتأثر يومياً بالغارات التي تشنها الطائرات الأمريكية دون طيار، على قواعد ومناطق الحدود الباكستانية- الأفغانية، وما تمثله من انتقاص للسيادة الوطنية الباكستانية أولاً، ومن تململ واحتجاج شعبي باكستاني ضدها ثانياً، ومن إحراجات كبيرة للسلطة الحاكمة في باكستان أيا يكن حزبها أو توجهها ثالثاً.

إن تغييراً انتخابياً كبيراً ومفاجئاً، وبقاء الصعوبات الداخلية، وتعقيدات الحالة الجوارية والتحديات التي تواجهها باكستان في علاقاتها الإقليمية والقارية والدولية، عناوين كبيرة يفترض بالتركيبة البرلمانية- الحكومية الباكستانية معالجتها، وتنفيذ سياستها وشعاراتها الانتخابية، التي أوصلتها إلى هذا الانتصار، وبضمنه رسالة واضحة عنوانها أيضاً موقف الشارع من الوعود والبرامج وكيفية تنفيذها وتلبيتها لحاجات الشعب الباكستاني وتطلعاته أيضاً.

العدد 1194 - 15/04/2026