مرجعية الحكومة وسياساتها أولاً

استغراق الجدل في الشخصية المفترضة لترؤس الحكومة الجديدة بعد د.فياض، وخاصة بعد مماطلة حركتي فتح وحماس في تشكيل حكومة التوافق الوطني وتأجيلها إلى ثلاثة أشهر غير ملزمة، لا يغير من حقيقة أن المشكلة الفعلية في أية حكومة قادمة (إذا ما تشكلت أصلاً) ليست في شخصية رئيسها المكلف، وإنما بالأساس في أمرين:

الأول في البرنامج والسياسات التي ستعتمدها هذه الحكومة مالياً واقتصادياً واجتماعياً وأمنياً أيضاً. وفيما إذا كانت هذه السياسات ستختلف فعلاً عن تلك السياسات التي اعتمدتها حكومات د. فياض.

والثاني هو في مرجعية هذه الحكومة والرقابة عليها، وإذا ما ستكون هناك أية مرجعية رقابية على هذه الحكومة بالاختلاف عن الحكومات التي سبقتها. أما بخصوص سياسات الحكومة وبرنامجها، فإن أية حكومة جديدة ستأتي مكبلة بقانون الموازنة للعام ،2013 الذي أصدره الرئيس أبو مازن، بعد أن اعتمدته الحكومة. وهي موازنة تثير الجدل ورفضتها الكتل البرلمانية  وتتميز بالتضليل المقصود، سواء لجهة زيادة الإيرادات أم تقليص النفقات. كما أنها طبعاً حافظت على جوهر الخلل البنيوي في الموازنة بما يمثله ذلك من فضيحة عامة للسلطة الفلسطينية، إذ لا يزال ما يخصص لقطاع الزراعة في الموازنة يمثل أقل من 1%، بينما يحتل الأمن الداخلي نحو30%، وذلك في بلد يخوض معركة يومية على الأرض، ويعيش في ظل احتلال مستمر ومتواصل، وفي ظل عدوان يومي تقوم به قوات الاحتلال والمستوطنون.

وبالطبع فإن ذلك يأتي أيضاً في إطار تراكم الدين على السلطة الذي زاد على 8,3 مليارات دولار، وفي ظل فجوة تمويلية متوقعة بنحو 400-500 مليون دولار، وفي ظل تراجع ملموس في خدمات الصحة والتعليم، وفي ظل ارتفاع غير مسبوق في معدلات الفقر والبطالة، وبضمن ذلك أننا في ظل التبعية المباشرة لضريبة القيمة المضافة الإسرائيلية، وطبعاً في ظل حركة احتجاج يقوم بها العاملون في قطاعات مختلفة، حكومية وأهلية وغيرها.

إن حكومات د. سلام فياض المتعاقبة مسؤولة عن هذه النتائج، كما أنها مسؤولة بشكل خاص عن المنطق النظري(المالي) الذي طرحه د. فياض في إطار خطته المسماة (موعد مع الحرية..)، والذي التزم فيه بإنهاء الاعتماد على المساعدات الخارجية، بوساطة تقليص المساعدات الخارجية المخصصة لتمويل النفقات الجارية من 8,1 مليار دولار عام 2008 إلى مليار واحد دولار عام 2011. وبنتيجته تقلصت فعلاً من نحو 8,1 مليار دولار عام 2008 إلى نحو مليار واحد عام ،2012 مع فارق هام أن ذلك لم يرافقه تقليص الاعتمادية. ولا  تعزيز القدرات الذاتية للاقتصاد الوطني أو القطاع الخاص، رغم الزيادة الوهمية والاسمية للناتج المحلي الإجمالي الذي لم يرافقه تغير جدي في معدلات الفقر والفقر المدقع والبطالة. كما زادت الاعتمادية والمديونية بنتيجة الفجوة التمويلية الفعلية، كما تصاعدت الأزمات المختلفة المالية والاقتصادية، وزادت الأعباء على مختلف الشرائح. وبدلاً من أن يحرك ذلك عجلة الاستثمار، فرمل هذه العجلة ووضع مجمل الحالة الاقتصادية في أزمات متكررة، زاد منها دون شك تحكّم إسرائيل في تحويلات عائدات الجمارك والمقاصة، وتخلّفُ البلدان العربية عن مساعداتها المالية.

غير أن ما فاقم هذا الوضع وحال دون وقف التراجع المستمر فيه، هو حقيقة غياب جهة الرقابة التشريعية الممثلة في المجلس التشريعي، (رغم محاولات الكتل والنواب تعويض ذلك عبر مجموعات عمل برلمانية، ولقاءاتها مع رئيس الحكومة وبعض وزرائه) وهو أيضاً غياب أية جهة رقابية أخرى كان يمكن أن تنشأ في حالة الانقسام، سواء عبر المجلس المركزي لمنظمة التحرير أم عبر تشكيل مجلس تأسيسي. كما طرح حزب الشعب أكثر من مرة للتعامل مع الحالة السياسية والرقابية الملازمة للتوجه نحو دولة ولبناء جسم موحد إلى حين الانتخابات. أو حتى عبر استخدام الكتل البرلمانية صلاحية المجلس التشريعي إلى حين انعقاده خاصة في مجال الثقة بالحكومة والرقابة عليها.

وبنتيجة هذا الوضع فقد بات الرئيس يمثل المرجعية الوحيدة للحكومة، وهو الذي يقوم بتغطية سياساتها وإصدار غالبية القوانين التي تقترحها، وبات ما أصبح يعرف بأنها (حكومة الرئيس) يكتسب هذا المعنى المحدد قياساً بوضع الحكومات السابقة. فنظرياً كانت كل الحكومات السابقة، بما فيها قبل 2007 هي حكومات الرئيس. ولكن مرجعية هذه الحكومات وفقاً للقانون الأساسي كانت ترتبط بثقة المجلس التشريعي وبمساءلته رغم احتفاظ الرئيس بحق إقالة رئيس الحكومة وتكليفه بتشكيلها.

إن معالجة قضية المرجعية الرقابية للحكومة، وإحداث تغيير جدي على سياساتها،هو المطلوب أولاً، وهو معيار القدرة على التصدي للمشكلات الفعلية المتفاقمة، خاصة أن اتفاق حركتي فتح وحماس الأخير على دحر موعد تشكيل حكومة التوافق، يحملهما مسؤولية التدهور المتزايد في الطبيعة الديمقراطية للنظام السياسي الفلسطيني أو ما تبقى منه، فضلاً عن المخاطر الوطنية المترتبة على استمرار الانقسام.

 

بسام الصالحي

الأمين العام لحزب الشعب الفلسطيني

عضو المجلس التشريعي

العدد 1183 - 23/01/2026