استئناف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية… والمواقف تجاهها
تشكل العودة الفلسطينية للفريق الرسمي المفاوض إلى طاولة المفاوضات الثنائية الفلسطينية – الإسرائيلية، تراجعاً فاقعاً عن الإجماع الوطني الفلسطيني، الذي جرى التوصل إليه مؤخراً بين فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، كذلك القوى التي مازالت تعمل خارجها أيضاً. إذ تأتي هذه العودة إلى المفاوضات استجابة لضغوط أمريكية مكثفة، وثمرة لسبع جولات مكوكية لوزير الخارجية الأمريكي جون كيري، كما أنها تتواصل في ظل استمرار السياسة الاستيطانية التوسعية، لابل تكثيفها وتوسيع إطارها في الضفة الفلسطينية المحتلة، وتحديداً في حدود الكتل الاستيطانية الكبرى المتموضعة على الخط الأخضر (حدود عام 1967) ومحيط القدس الشرقية أيضاً.
وقد أثارت هذه العودة إلى المفاوضات الثنائية جدلاً واسعاً في إطار منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها، وفي السلطة الفلسطينية أيضاً. كذلك جددت القوى والفصائل الرافضة لهذه المفاوضات أساساً تأكيد رفضها. فالمفاوضات التي تواصلت في جولة استكشافية أولية في واشنطن قبل أسابيع قليلة برعاية كيري، ورئاسة الوفد الفلسطيني من قبل صائب عريقات، كبير المفاوضين الفلسطينيين، وعضوية المفاوض محمد إشتيه، ورئاسة الوفد الإسرائيلي من قبل تسيبي ليفني وزيرة العدل ومسؤولة ملف المفاوضات في الحكومة الائتلافية الحالية وزعيمة المعارضة الإسرائيلية سابقاً. ثم جولة المفاوضات الثنائية في القدس المحتلة قبيل أيام قليلة، وجولة المفاوضات الاستكشافية في واشنطن، ثم في القدس، أثارت وماتزال تباينات وتعارضات داخلية فلسطينية عنوانها الرئيس محاولة (التملص) من نتائج حوارات القاهرة (أيار عام 2012) و(شباط عام 2013). وكان الموقف الفلسطيني الجماعي الذي أقرته القيادة الفلسطينية (باستثناء عضو واحد فيها فقط)، وذلك في اجتماعها المنعقد في 18 تموز ،2013 هو رفض العروض الأمريكية، لأنها لا تلبي الحدود الدنيا من استحقاقات العملية التفاوضية المتمثلة في الاعتراف بحدود 1967 أساساً للمفاوضات، وإطلاق سراح الأسرى (المعتقلين ما قبل اتفاق أوسلو عام 1993). التخلي عن الضمانات الأمريكية حول وقف الاستيطان، يشكل إقراراً ضمنياً بالعودة إلى المفاوضات دون توفر هذه الضمانات، والتخلي عن حدود عام 1967 مقابل عرض تبادل الأراضي الذي قدمه وفد قمة الدوحة مؤخراً بوصفها نقيضاً للقرار الصادر عن الجمعية العمومية عام ،2012 وعن المبادرة العربية للسلام، التي تنص على الاعتراف بدولة فلسطين على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. كذلك نقيضاً لقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة التي صنفت الاستيطان بوصفه عملاً غير شرعي، وتالياً التخلي عن حق دولة فلسطين بالتوجه إلى الهيئات والمؤسسات الدولية ذات الصلة.
وإذ أعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) رسمياً وعلناً تعرضه لضغوط أمريكية هائلة، غير مسبوقة، وإلى انتقادات (عربانية) أيضاً تطالب بتحريك المسار التفاوضي الفلسطيني – الإسرائيلي، لأسباب ذاتية تخص هذه الدول، في ظل التراجعات الرسمية العربية، والحالة المزرية لما يسمى ب(دول الربيع العربي). فقد دعت القوى الديمقراطية والليبرالية الفلسطينية (الجبهتان الديمقراطية والشعبية في بيانهما الأخير المشترك في 6 آب، وحزب فدا، وحزب الشعب الفلسطيني، الشيوعي سابقاً) إلى الانسحاب من هذه المفاوضات والدعوة إلى اجتماع قيادي للحالة الفلسطينية (اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، رئاسة المجلس الوطني، الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية، شخصيات فلسطينية مستقلة متوافق عليها) لتصحيح هذا الخروج من قرارات الإجماع الوطني، وضرورة الالتزام بها، ومخاطر الاستمرار بسياسة التفرد والانفراد في معالجة القضايا الوطنية الفلسطينية عموماً والتفاوضية خصوصاً.
وفي هذا السياق ينظر بخصوصية إلى تلاقي وتوافق الغالبية الساحقة من قيادة العمل الوطني الفلسطيني الرافضة لمواصلة المفاوضات رسمياً (وخاصة جولة القدس الأخيرة التي رعاها كيري ممثَّلاً بمندوبه مارتن أنديك) التي عقدت في ظل العطاءات والقرارات الحكومية الإسرائيلية المتواصلة حول توسيع الاستيطان، وخاصة في محيط القدس الشرقية، وتالياً تمزيق الضفة الغربية، الممزقة أصلاً بالمستوطنات الرسمية منها أو بؤر الاستيطان غير الشرعية أيضاً.
وفي هذا السياق أيضاً ينظر باهتمام خاص إلى تلاقي مواقف جميع القوى الديمقراطية واليسارية الفلسطينية، وأقسام هامة من حركة فتح أيضاً، كما ينظر إليها باهتمام في ظل سياسة تل أبيب (الضرب عرض الحائط) بكل الأعراف والقرارات الدولية، وبضمنها الاتفاقيات الثنائية السابقة، على علاتها ونواقصها، التي أقرت بضرورة عدم إجراء تغييرات ديمغرافية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومحاولات إيجاد حقائق ووقائع، من شأنها إعاقة أية مباحثات ثنائية، قبيل الالتزام بهذه التعهدات والاتفاقيات.
كما من شأن هذه العودة إلى المفاوضات الثنائية تخفيف الضغط الدولي على سلبياته ونواقصه، ضد إسرائيل، الدولة المحتلة، وآخرها بيان البرلمان الأوربي – غير الملزم- بوقف استيراد منتجات المستوطنات الإسرائيلية، بوصفها منتجات لمناطق محتلة وغير شرعية، ومناقضة للقرارات الدولية. كما من شأنها إحراج الدول التي مازالت تتعاطى مع القضية الفلسطينية بوصفها مسألة احتلال لأراضٍ فلسطينية (وفق قرار التقسيم على الأقل) ووفقاً لقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وللاتفاقيات الثنائية وبضمنها اتفاق أوسلو على علاته وسلبياته، الذي نص على أن الأراضي الفلسطينية أراض متنازع عليها! لايجوز إحداث تغييرات ديمغرافية فيها قبل التوصل إلى حلول نهائية للمعضلة الفلسطينية- الإسرائيلية.. ولا نتحدث هنا عن مسائل بالغة الأهمية تمثل الأساس في (الوصول) إلى أي اتفاق فلسطيني- إسرائيلي نهائي حول حق العودة وترسيم الحدود النهائية، وحل موضوع العاصمة الفلسطينية في القدس الشرقية، وهي مسائل أكثر تعقيداً مقارنة بالاستيطان وتوسعه ومخاطره أيضاً. وفي هذا الإطار ينظر باهتمام وأهمية إلى مواقف القوى الديمقراطية واليسارية، ومعها صف واسع من قيادات حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطيني الرافضة لاستئناف المفاوضات المجمدة منذ أكثر من ثلاث سنوات. ويمثل تراجعاً رسمياً تفاوضياً لن يوصل إلى نتائج ما، في ظل التعاطي مع حكومة يمينية متطرفة يجمعها رفض القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية المنشودة، وتأجيل المناقشة والبحث في مسألة الحدود النهائية، وحق العودة، أو التعويض لفلسطينيي عام 1948.
وإذ أعلنت واشنطن تحديد موعد زمني مقدر بتسعة شهور لحل القضايا النهائية، يكفينا القول إن الممارسات الإسرائيلية تنسف هذا التوجه الأمريكي، وتعرقل الحلول (المتوازنة) التي ليست عادلة بالضرورة، حول القضايا التي يجري التفاوض حولها، وخاصة في جولة القدس الأخيرة التي تؤشر إلى صلف إسرائيل وعنجهيتها وتجاهلها للنداءات والقرارات الدولية ذات الصلة، وهو ما بات يستدعي بناء جبهة معارضة واسعة تضم القوى الديمقراطية واليسارية والليبرالية وأجزاء واسعة من حركة فتح الرافضيين لهذه العودة إلى المفاوضات المشروطة وإلى نتائجها الباهتة والمأسوية أيضاً.