أحداث السودان.. البلاد إلى أين؟

تعيد الأحداث والاحتجاجات الشعبية التي مازالت تحمل الطابع الاقتصادي- الاجتماعي، التي يشهدها السودان، والمستمرة منذ أكثر من عشرة أيام، فتح الملف السوداني من جميع جوانبه (طبيعة الحكومة القائمة، المعارضات وواقعها وبرامجها، انفصال الجنوب وتشكيل دولة جنوب السودان، أزمة إقليم دارفور المستمرة حتى تاريخه.. إلخ). وتؤشر بمجموعها إلى الوضع اللاطبيعي الذي يعيشه السودان، ويمثل امتداداً لصعوباته وأزماته السابقة، منذ انتهاء أطول حرب شهدتها القارة الإفريقية (حرب الجنوب السوداني)، وإلى مسلسل التغيرات التي عانها ولايزال، كذلك الانقلابات العسكرية المتتالية التي عرفها السودان وتبعاتها.

يعد السودان سلة الغذاء المناطقي والقاري، ويملك إمكانات كبيرة بدءاً من مساحته الجغرافية، وعدد سكانه، إلى موقعه الجغرافي، وإلى قدراته الاقتصادية، وبخاصة الطبيعية- الزراعية، التي ساهمت الانقلابات العسكرية المتتالية وحرب الجنوب السوداني، والتعامل اللاديمقراطي مع القوى والأحزاب السودانية (على اختلافها واختلاف موقفنا منها) في استمرار صعوباته. فضلاً عن سياسات دول الجوار المشجعة لتقسيم السودان، والدور الإسرائيلي- الأمريكي في إضعاف السودان، وصولاً إلى تفتيته وإخراجه من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي أولاً، ودوره المفترض، وقدراته في القارة الإفريقية ثانياً.

ورغم هذه الإمكانات الهائلة التي يملكها السودان، والتي لم يستطع الاستفادة منها (تدخلات خارجية بضمنها تقسيمه، إشكاليات مناطقية، طبيعة الدستور السوداني، وبضمنه صلاحيات والي المحافظة أو الإقليم، ودور الدولة المركزية، وغياب الديمقراطية منذ عقود.. إلخ)، فإن الحكومة الحالية بقيادة الجنزال الرئيس عمر البشير التي ورثت جزءاً كبيراً من هذه الصعوبات، لم تستطع حتى تاريخه إيجاد حلول جذرية للوضع السوداني عموماً، ومشكلاته المتعددة أيضاً.

ويبرز في هذا المجال تحديداً الانقلابات العسكرية المتتابعة، وقمع المؤسسة العسكرية للقوى الديمقراطية – الليبرالية، منذ استيلاء الجنرال جعفر النميري على السلطة، وإعدامه عدداً من قادة الحزب الشيوعي السوداني العريق، واستمرار المؤسسة العسكرية، وخاصة في نهج التعامل وموضوعة الديمقراطية أو تحجيم دور قواها، وبضمنها منع العديد من القوى العلمانية من العمل العلني، والنشاط الاجتماعي السياسي. ولا نغفل هنا دور بعض دول الجوار التي يحتفظ معظمها بعلاقات خاصة مع إسرائيل. في الوقت الذي يحتفظ فيه العدد الآخر فيها بعلاقات مميزة مع الدول الغربية (فرنسا، الولايات المتحدة) وانعكاساته على الأوضاع الداخلية السودانية، وبضمنها إعاقة تطوير السودان لبناه التحتية الاقتصادية، وخطط التنمية والنهوض به دولة ديمقراطية تستفيد من قدراته، وتالياً دوره التاريخي المفترض.

ورغم حل السودان راهناً العديد من إشكالياته الداخلية على نحو فوقي إداري (مشاكل شرق السودان، استقرار جزء واسع من إقليم دارفور.. إلخ)، فإن المعضلة الأساسية تبدو مركبة، وعنوانها طبيعة النظام الحاكم من جهة، وتدخلات دول الجوار المدعومة خارجياً من جهة ثانية.. وانعكاساتها على السودان (شعباً، ودولة، ومقدرات اقتصادية هائلة)، وبالتالي إشغال السودان بمشاكله الداخلية التي ساهمت فيها الأنظمة السودانية المتتالية. كذلك حجم التدخل الإقليمي والدولي الساعي إلى تحجيم دور السودان بما ينسجم وقدراته وإمكاناته القائمة والمستقبلية المفترضة.

ورغم اتضاح أبعاد إشكالية انفصال جنوب السودان، والدور البارز لإسرائيل والولايات المتحدة فيه (كانت أول الدول التي اعترفت بانفصاله)، وتالياً انعكاساتها المباشرة على السودان، بوصفها إحدى كبريات الدول الإفريقية، وتحجيم دورها أو تقليصه إلى حدوده الدنيا، فإن طبيعة التعامل مع هذه الإشكاليات الوطنية السودانية، وكيفية تعاطي الخرطوم مع هذه الصعوبات الذاتية والمفتعلة، قد ساهم في وصول السودان إلى حالته الراهنة (المزعجة) عربياً وإفريقياً. (أشار إليها أيضاً عدد من قادة حزب المؤتمر الحاكم في تعاطيهم وموقفهم من الاحتجاجات الشعبية القائمة). وعلى الرغم من محاولة الحكومة السودانية القائمة حل إشكالية إقليم دارفور حلاً جذرياً (وهو يرتبط في العديد من جوانبه بسياسات وأهداف دول الجوار وغيرها)، فإن الاحتجاجات الشعبية التي تتخذ حتى تاريخه طابعاً اقتصادياً- اجتماعياً، تؤشر إلى الصعوبات التي تواجهها حكومة الخرطوم، وعدم حلها باللجوء إلى الديمقراطية الشعبية، والتعاطي الإيجابي مع القوى العلمانية والديمقراطية السودانية أساساً، ومواصلة تحجيم دورها بوصفها قوى حريصة على السودان ومستقبله.

ولا نغفل هنا دور التيارات الأصولية المتزمتة المتمثلة في حلفاء النظام السوداني القائم، والمرتدة عليه راهناً، بسبب من صراعاتها المتعددة الأوجه، حول توجه السودان ونهجه، وبخاصة تيار حسن الترابي وحزبه، القائد التاريخي السابق لحزب المؤتمر والذي أعلن عن قيام هذا الحزب الشعبي المعارض، وبضمنها حزب الرئيس البشير الحاكم، قبيل انقسام الحزب واستلام البشير السلطة في السودان.. في الوقت الذي تؤكد فيه الاحتجاجات الشعبية بمطالبها الاقتصادية – الاجتماعية الحالية، ضرورة مراجعة الحكومة لسياساتها الداخلية السياسية – الاجتماعية أولاً، وفي الصدارة منها ضرورة إيجاد لغة مشتركة وبرنامج وطني مشترك ينهي سياسة الانفراد بالسلطة، ويدفع باتجاه الانفتاح على القوى الديمقراطية والعلمانية خصوصاً، التي تعرضت للقمع والحظر على نشاطاتها وفعلها السياسي – الاجتماعي في البلاد.. كذلك موقف هذه القوى المبدئي من مسألة وحدة السودان، وعدم تشظيه، وحل إشكالياته وصعوباته بشكل وصيغ جماعية توافقية، وحرصها الرسمي المعلن على السودان دولة وأقاليم ومحافظات.. وهذا ما يتطلب موقفاً إيجابياً من الخرطوم (رئيساً وحكومة) في التعاطي مع القوى الحريصة على مستقبل السودان وتطوره، وبخاصة قواه الديمقراطية، الليبرالية، العلمانية، وإيجاد لغة مشتركة تضمن الحرص على وحدة السودان الراهنة، وحل إشكالياته العديدة، وبضمنها توجه السودان ونهجه الداخلي، وعلاقاته الخارجية الإقليمية والعربية والدولية أيضاً.

العدد 1195 - 23/04/2026