الرئيس روحاني والثوابت الإيرانية وموضوعة «المرونة والاعتدال»
منذ انتخابه رئيساً في انتخابات ديمقراطية شفافة، أكد الرئيس المنتخب حسن روحاني مجدداً، مواقف إيران الثابتة تجاه العديد من القضايا التي تمس البلاد ومصالحها، كذلك طبيعة علاقاتها وتحالفاتها. وأشار في الوقت نفسه إلى أن (المرونة والاعتدال) اللتين ستعتمدهما طهران ستمس التكتيك والأساليب التفاوضية المتبعة في ولايته الرئاسية لا الثوابت الإيرانية.
عُدّ روحاني، عبر حملته الرئاسية، ومن ثم انتخابه رئيساً بأنه رجل معتدل (ليس محافظاً أو متشدداً أو إصلاحياً)، وطرح في حملته الانتخابية ثم بعد فوزه أن المسألة الأساس في برنامجه تتمثل في معالجة الأوضاع الاقتصادية- الاجتماعية أولاً، التي تفاقمت (تضخم، غلاء، بطالة.. إلخ) بسبب من سياسة العقوبات الاقتصادية (الغربية) والأمريكية خصوصاً، مع الإشارة إلى العديد من القرارات غير (المتوازنة) لمجلس الأمن الدولي حول إيران. كما أكد أن سياسة سلفه الرئيس أحمدي نجاد وحكوماته، وسوء إدارته قد ساهمت أيضاً في عدم حل هذه الإشكاليات (الدولية)- (الداخلية)، وإلى ازدياد هذه الصعوبات الداخلية. مشيراً في الوقت نفسه إلى أن حكومته ستتشكل أساساً من الكفاءات وذوي الخبرة أولاً، وقبل كل شيء آخر. وبدأ يمارس هذا التوجه فور تسلمه مهماته رئيساً في شهر آب الماضي، بعد موافقة المرشد الأعلى علي خامنئي، ومصادقة البرلمان. وأكد البرلمان الإيراني بتركيبته الحالية (محافظين، متشددين، ليبراليين، إصلاحيين.. إلخ) ومصادقته السريعة على الغالبية الساحقة من تركيبة حكومته الجديدة. وانعكس ذلك سريعاً في الحراك الاقتصادي الإيراني إيجاباً، وفي تراجع ملحوظ للتضخم وسعر صرف العملة الإيرانية مقابل العملات الأجنبية، وفي تراجع نسبة البطالة ولو ببطء حتى تاريخه.. وذلك خلال أسابيع قليلة من توليه منصبه رئيساً وتشكيلة حكومته الجديدة! إذ مثلت الأوضاع الداخلية الإيرانية الاقتصادية – الاجتماعية، أحد الأسباب الرئيسية لنجاح روحاني، إضافة إلى أسباب أخرى ليست أقل أهمية، منها انقسام التيار المحافظ، ومشاركته في الانتخابات بأربعة مرشحين، مما ساهم في تشتيت أصوات هذا التيار أيضاً. هذا في الوقت الذي انسحب فيه مرشح التيار الإصلاحي لصالح روحاني، وعدم موافقة لجنة الدستور على ترشح هاشمي رفسنجاني أيضاً.
وإن كان للأوضاع الاقتصادية – الاجتماعية دور هام في نجاح روحاني وإعلانه بأنه سيكون رئيساً لكل الإيرانيين على اختلاف تياراتهم واتجاهاتهم، فإن المواقف الخارجية الإيرانية (السياسية، العلاقات، التحالفات.. إلخ) كما أكد روحاني ستبقى قائمة مع (مرونة) لا تمس المبادئ والثوابت.. وكذلك انسجامه مع الدستور الإيراني، الذي يمثل فيه المرشد الأعلى أحد أهم مرجعياته، كذلك لجنة تشخيص مصلحة النظام، لجنة الدستور، دور البرلمان التقريري أيضاً.. وهذا ما أكد روحاني التزامه به في حملته الانتخابية، ثم مع تشكيل التركيبة القيادية- الحكومية الإيرانية، وتأكيده الالتزام و(التنسيق مع توجهات المرشد الأعلى، ومع البرلمان ومجلس تشخيص مصلحة النظام، ومجلس الأمن القومي، ومع لجنة المفاوضات حول الملف النووي السلمي الإيراني.. إلخ).
أما ما يخص علاقات إيران الخارجية، فقد أكد روحاني تمسك بلاده بنهج المقاومة والمعارضة للسياسة الأمريكية الخارجية، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط والخليج تحديداً. وأشار في أكثر من مناسبة إلى حق إيران في امتلاك الطاقة النووية السلمية، وأن المفاوضات حولها مع اللجنة السداسية (الدولية) (الدول الخمس الدائمة العضوية زائد ألمانيا) لن تلحظ تراجعاً عن هذا الحق الإيراني، بوصفها دولة عضوة في الوكالة الدولية للطاقة الذرية من جهة، واحترامها بنود هذه الوكالة وأنظمتها، كذلك حقها الطبيعي في امتلاك هذه الطاقة أسوة بغيرها من الدول الأخرى.
وشدد روحاني على تقوية تحالفات بلاده مع الدول الصديقة والحليفة، وفي إطار الروابط والتكتلات التي تشارك فيها إيران، بصيغ مختلفة، وتأكيده ضرورة (إصلاح) العلاقات مع دول الجوار، وبخاصة دول الخليج، استناداً إلى الحفاظ على مصالح مجموع هذه البلدان، وضرورة تحسين العلاقات المختلفة بينها. (نشير هنا إلى تصريح روحاني حول أهمية تحسين العلاقات مع السعودية ودول الخليج الأخرى، وإلى استعداد بلاده للمساهمة في حل الأزمة السورية وغيرها من الإشكاليات التي تواجهها دول المنطقة).
كذلك إلى الاستعداد للعودة إلى المفاوضات مع اللجنة السداسية، على أساس الحفاظ على حق إيران في امتلاك الطاقة النووية، وما يتطلبه ذلك من ضرورة رفع الحصار والعقوبات الاقتصادية (الغربية) المفروضة على بلاده، التي لم تساعد في تغيير السياسة أو التوجه الخارجي المبدئي لبلاده وعلاقاتها الخارجية أيضاً.
وفي هذا السياق ينظر باهتمام إلى مشاركة الرئيس روحاني في قمة شانغهاي للتعاون الدولي الأخيرة، بصفة مراقب حتى تاريخه، ولقاءاته بالعديد من رؤسائها، وخاصة الروسي بوتين والصيني بينغ، وإعلان روحاني عن رغبة بلاده وتطلعها إلى تحسين علاقاتها مع أصدقائها وجيرانها.
وهذا ما أكده رئيس مجلس الشورى (البرلمان) علي لاريجاني، قبل أيام قليلة، بأن (بلاده تعارض التطرف، ولن تتخذ مطلقاً خطوة في هذا المسار.. إن النظام الإيراني لن يتخلى عن أهدافه السامية، وإن استراتيجيته ثابتة في التعامل مع الآخرين.. إلا أن التكتيكات تتغير وفقاً للظروف).
كما أشار لاريجاني مرة أخرى، إلى الفتوى القديمة- الجديدة للمرشد الأعلى للثورة، حول عدم رغبة إيران في حيازة السلاح النووي، وأن على الغربيين الاستفادة من هذه الفرصة من أجل الحوار وإنجاحه، مؤكداً طرح إيران إقامة منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل.
أما ما يخص (المرونة البطولية) التي أشار إليها مؤخراً خامنئي، فهي فرصة ل(الغرب)، وعلينا أن نراقب كيفية تعاملهم معها، كي لا تُفسر القضايا السياسية في البلاد تفسيراً خاطئاً.
وهذا ما لاحظته دول غربية عديدة، وأشارت إليه حول تعامل جديد مع القيادة الإيرانية، وتلميحات أمريكية حول صفحة جديد من العلاقات مع طهران، فيما تبقى العبرة في التنفيذ (الغربي) لهذا (التوجه) الجديد الذي يحاول الإشارة إلى أهمية (التغيير) الحاصل في إيران -وفق المفهوم الغربي- ويحتاج إلى إقرار غربي صريح بفشل سياسة الحصار والعقوبات الاقتصادية المستمرة منذ سنوات، في التأثير على السياسة الخارجية الإيرانية (الإقليمية) منها، أو الدولية.. ومحاولة الاستفادة من هذا التغيير في الرئاسة الإيرانية كخط رجعة عن نهج غربي لم يثمر سياسياً في تغيير طبيعة السياسة الإيرانية ونهجها وعلاقاتها وتحالفاتها، رغم ما ساهمت فيه من صعوبات اقتصادية، آخذة بالتراجع التدريجي، المتزامن مع المتغيرات الهامة الإيجابية في مواقف الدول الصديقة أو الحليفة لإيران، وفي حراجة مواقف الدول المناوئة أو المعادية لها أيضاً، وبخاصة إصرار الولايات المتحدة على بقاء الخيار العسكري (الفاشل) على طاولة الحوار في العلاقة مع إيران ورئاستها الجديدة!