الفيلم النرويجي «الصيد» التحرش الجنسي بالأطفال وغريزة الصيد
نسبية المسافة بين الاهتمام والاستحواذ، تضعنا أمام خيارات كثيرة أهمها مواجهة الكذب وتبعاته الاجتماعية المدمرة، ابتداء بالانطوائية وصولاً إلى السلوك العدواني. وهي المنطقة التي دخل إليها المخرج النرويجي توماس فينتربرغ في فيلمه (الصيد)، كي يلفت انتباهنا إلى المدى الذي تقطعه كذبة بريئة في خلخلة النسيج الاجتماعي لمدينة صغيرة ذات طبائع قروية.
تقودنا المشاهد الأولى إلى روضة للأطفال، وترصد لنا العدسة محبة الصبيان لأستاذهم لوكاس وتعلقهم الكبير به. فيما طفلة صغيرة تدعى كلارا، تعاني إهمال والديها، تراقب عراك الصبية مع لوكاس، وتقترب منهم لتشاركهم شغبهم الذكوري، فيبعدها بلطف.. تحاول كلارا كسب الود من خلال إهداء لوكاس قلباً صنعته من الخرز، فيرفض قبوله ويقترح عليها منحه لأحد الصبية.. حادثة بسيطة تأخذ أبعاد التحرش الجنسي المختلق، المتكئ على هاجس كسب الاهتمام والعطف.. فكلارا تكذب ببراءة مبهمة يُصدِّقها كل من حولها، ويستنفرون للدفاع عن طفولتها المنتهكة.. تكبر الكذبة لتغدو وصمة عار بحق المدرس، الذي يستدعى للمساءلة، ويلاحق بنظرات الاستنكار التي تتطور إلى اعتداء لفظي وبدني. ويصل التوتر بمديرة الروضة إلى حد اخبار طليقة لوكاس بالأمر لحرمانه من رعاية ولده المراهق.
يسأل الطبيب النفسي كلارا، بحضور مديرة الروضة، أسئلة تفيد في تقييم الحالة، فتنفي الطفلة الموضوع جملة وتفصيلاً، فلا يصدقها أحد، بل تعمم فكرة التحرش، وُيطلب من الأهل التقصي عن بوادر سابقة. فتتفتق مخيلة الفتية عن صور ينفيها التحقيق الجنائي.. تتسع دائرة الإدانة وسط تواطؤ من الأب السكير ثيو، الصديق المقرب من لوكاس، وصرخات الأم الهستيرية واستنكار الطفلة لما يحدث. ولا يغير اعتراف كلارا لأمها بحقيقة ما حصل صيرورة الإدانة، إذ تطمئن على سلامة ابنتها وتواصل التواطؤ مع الآخرين في كراهيتهم للوكاس.
يتجرأ ابن لوكاس المراهق على الحضور لمساندة والده بعد تجاوز صدمة الدهشة والخذلان، وانتصار أيقونة الأب العطوف. فنرى طفلاً كبيراًحتم عليه أن يغدو رجلاً في ظروف دفعت الرجال إلى التراجع في نسف عنيف لأسس اجتماعية وطيدة تطلَّبَ بناؤها عقوداً طويلة… وفي مقابل هذه الشجاعة المبكرة والمعلنة نجد خسة تتلبس الظلام وسيلة لتفريغ الأحقاد.. فأثناء تحضير الأب للعشاء يلقي مجهول حجراً على نافذة المنزل، ويسمع صوت إطلاق نار. يخرج الأب ويجد كلبه الأليف قد قتل.. وحين يؤخذ الأب للمحاكمة، يتعرض اليافع لإهانة أصدقاء والده القدماء. يتحدَّاهم، فيضربه أحدهم بعنف وحقد.. فيلجأ إلى عرابه، الذي يحتضنه وينتظر معه بقلق خبر البراءة، والمفارقة أن الإدانة لا تتوقف، رغم ثبوت البراءة قضائياً.
تقترب ليلة الميلاد فيعود لوكاس الابن إلى أمه، ويتوجه نحو مركز التسوق لشراء الحاجيات.. فيضربه هناك بعنف صديقه اللحام ومعاونوه، ويُلقى به خارجاً دون رغبة في سماع أي دفاع.. مشاهد عنيفة تظهر كيفية انقلاب موازين الصداقات، ورجحان كفة الأحقاد التي تفتقر إلى المصداقية.. يتحامل لوكاس على نفسه ويضرب اللحام برأسه ويخرج نازفاً. وتشهد عائلة كلارا معاناته فلا تتدخل لمساعدته. يعود لوكاس إلى منزله، ينظف جراحه، ويتهيأ للذهاب إلى الكنيسة فيدخلها وسط استنكار يلجمه الكاهن.. وأثناء إنشاد الأطفال لترانيم عيد الميلاد ينهض ويتجه نحو ثيو ويضربه صارخاً فيه أن ينظر في عينيه، وبعدئذ يغادر. وبذلك يغدو ثيو مكللاً بالعار الداخلي وبذكريات الطفولة التي خذلها دونما تبصر وتمحيص.. وحين تخبره كلارا باكية بالحقيقة يبكي صديقه المظلوم ويصالحه، مغلقاً دائرة الشك والإدانة.
بعد مرو عام على الأحداث يجتمع الأصدقاء مجدداً للاحتفال بتنصيب لوكاس الصغير رجلاً، وتسليمه بندقية الصيد الخاصة بالعائلة.. نفس الحلقة الذكورية التي دشنت الفيلم بصخب الرجال وشغبهم في حلقاتهم المغلقة، هي ذاتها التي أدانت لوكاس ثم غفرت ثم احتفلت بالابن رجلاً.. لكن أثناء حفلة الصيد يباغت لوكاس بطلقة من مجهول تستدعي ذكرى حادثة الاعتداء على المنزل من مجهول وقتل الكلب.. الطلقة الغامضة التي توارى صاحبها أعلنت استمرار الإدانة رغم ثبوت البراءة وعودة الأصدقاء إلى سابق عهدهم. وبالتالي يكون الفيلم قد وضعنا ضمن حلقة عدوانية خفية غرضها إقرار الإدانة ظاهرياً، لضمان تفريغ مجاني متاح للعنف الداخلي.
اكتفى المخرج بعرض الأحداث بحيادية تتفق مع تقنية الأفلام التسجيلية التي يكون أبطالها أناساً حقيقيين. واقتصر التركيز على وجوه المحيطين، وصدمة تفاعلهم مع موضوع التحرش الجنسي المفترض وإفساح المجال أمام تفريغ العنف.. والسؤال الذي يفجره الفيلم هو: كيف يمكن التعامل مع حساسية قضية التحرش الجنسي بالأطفال دون المساس بهيبة الهيكلية الاجتماعية؟ وهل لغريزة الصيد المغرقة في القدم دوافع أرسخ من روابط الألفة والصداقة؟