دولة جنوب السودان.. اقتتال رفاق الأمس وأسبابه

لا يثير الاقتتال الجاري في جمهورية جنوب السودان الوليدة، على أهميته ومخاطره، قلق الجنوبيين فحسب، وإنما دول الجوار أولاً، والداعمين لقيام دولة جنوب السودان ثانياً.. فضلاً عن انعكاساته المباشرة على السودان وجواره، وتالياً أبعاد عدم الاستقرار في المنطقة، وإن لم يكن هذا الاقتتال وليد المتغيرات الحزبية- القبائلية الأخيرة، التي حصلت مؤخراً في جوبا، فإن اتساعها وشمولها جميع بلدات الجنوب السوداني ومدنه يؤشر إلى ما هو أبعد من صراعات بين رموز فوقية حاكمة.

بداية لابد من الإشارة إلى أن اتفاق نيفاشا الموقع بين الحكومة المركزية السودانية والحركة الشعبية في جنوب السودان في 9 كانون الثاني عام ،2005 قد أبقى الباب مفتوحاً أمام احتمال انفصال الجنوب عم شماله في أول استفتاء شعبي، بعد مرحلة انتقالية امتدت خمس سنوات، وهذا ما حصل.. وقد أظهرت سنوات المرحلة الانتقالية، وخاصة بعد حادثة وفاة الزعيم التاريخي للحركة الشعبية جون غارانغ، ميلاً لدى قيادة الحركة للانفصال (كان لغارانغ موقفاً آخر).

كما أظهرت هذه السنوات القليلة واقع الحال القائم في الجنوب السوداني، وخاصة في صفوف قيادة الحركة الشعبية، وفي الحالة القبائلية الجنوبية وخلافاتها أيضاً، وانتشار الفساد المستشري في حكومة جنوب السودان (خلال مرحلة السودان الموحد) أيضاً، وانعكاساته على خطط التنمية المفترضة على الجنوب خصوصاً والسودان ككل عموماً.

كما ظهرت طبيعة الوضع الاجتماعي السوداني واضحة، قبيل استفتاء (الانفصال)، كما بعده أيضاً، وخاصة مسألتي التداخل الاجتماعي القبائلي، بين ما يمكن تسميته الجنوبين والشمالين أولاً، والإشكاليات القبائلية المعيشية في الجنوب خصوصاً ثانياً.. وإن كانت هذه الإشكاليات لم تتصدر قائمة الصعوبات التي يعانيها السودان عموماً، بسبب من توجيه الأنظار نحو مسألة استمرار السودان موحداً، فإن خيار الانفصال قبل ثلاث سنوات قد أعاد طرح القضايا الداخلية كأولية في الوضع السوداني عموماً.

وإن كان السودان يعاني راهناً من تبعات الانفصال من جهة، ومن الإشكاليات المناطقية الأخرى (دارفور، شرق السودان.. إلخ) من جهة ثانية، في إطار محاولاته الهادفة إلى تفعيل الخطط التنموية، التي عطلتها سنوات الحرب الأهلية. (تصنف حرب جنوب السودان بأنها أطول حرب شهدتها إفريقيا)، فإن إشكاليات دولة جنوب السودان تبدو أكثر تعقيداً جغرافياً واقتصادياً وسياسياً وقبائلياً أيضاً.

ومؤشرات أزمة دولة الجنوب بدأت قبيل خيار الانفصال، وتمثلت في عزل وزير خارجية السودان الموحد لام كول (جنوبي)، لأنه يمثل أحد الرموز القيادية في الحركة الشعبية المؤيدة لوحدة السودان. وتواصلت هذه المؤشرات بعد الانفصال في سياق البحث الجنوبي عن حلول لصعوباته الاقتصادية الموضوعية، وكيفية (حلحلة) التعقيدات الناتجة عن الانفصال (ونقصد هنا بشكل أساسيا التشابك الاجتماعي- القبائلي بين الدولتين)، إضافة إلى الامتدادات الديمغرافية لكل من الدولتين في الجانب الآخر (دعم الجنوبيون للقوى المتمردة في السودان (الشمال)، وبقاء فرع الحركة الشعبية الشمالي واحداً من القوى السودانية الاملة فيه، وفي المقابل تمسك السودان بمصالحه في التعاطي مع دولة الجنوب).

دولة جنوب السودان التي دعمت الولايات المتحدة وإسرائيل انفصالها، كذلك العديد من دول الجوار المستفيدة من تشظي السودان، واجهت وماتزال إشكالياتها الخاصة الاقتصادية (وهذا يحتاج إلى بحث منفصل) والحزبية – القبائلية أيضاً. وازدادت هذه الإشكاليات حدة في ظل نظام الحزب الواحد- الحركة الشعبية -وصراعات قياداتها التي أسفرت عن تفرد الحركة بالنظام السياسي من جهة، وإمساك سيلفا كير بمفاصل الحركة والدولة من جهة أخرى.

واستفحلت هذه التباينات من خلال عزل كير لقيادات الحركة، وبضمنهم أمينها العام باقان أموم، وإقالة الحكومة بكل وزرائها بتهم الفساد، وصولاً إلى إقالة نائبه د. ريال مشار في شهر تموز الماضي. وإذ لم يراع كير في إجراءاته هذه أنظمة الحركة وقوانينها، كذلك استقلالية الحكومة، فإنه يفتح الباب على مصراعيه للتباينات والخلافات القبلية أيضاً، وأكد ذلك انعقاد مجلس التحرير (الهيئة التشريعية الأولى في الحركة) في 14 تموز الماضي، ومحاولة كير التحكم بسير أعماله، الأمر الذي سرّع في انشقاق نائبه مشار وبدء الاقتتال العسكري بين الطرفين.

ويظهر مسار العمليات العسكرية، حتى تاريخه، سيطرة القوات المؤيدة لنائب الرئيس المعزل مشار على عدة مدن أهمها مدينة بور، كبرى مدن ولاية جونقلي، ومدينة بنيتو عاصمة ولاية الوحدة، ومدينة مايوم وغيرها، وصولاً إلى اشتباكات في العاصمة جوبا وأطرافها، وتصريحات مشار حول مواصلة الزحف نحو العاصمة وتحريرها.. في الوقت الذي تؤكد فيه تصريحات كير وأنصاره عن رد هجمات (المتمردين) واستعادة العديد من المدن والبلدات التي سقطت، والدفاع المستميت عن جوبا.

هذا الاقتتال على حساسيته ومخاطره أيضاً، طرح نفسه وسريعاً على الهيئة الحكومية للتنمية لدول شرق إفريقيا (إيغاد) في اجتماعها الطارئ في العاصمة الكينية نيروبي، الذي أمهل الطرفين أربعة أيام لوقف الاقتتال وبدء المفاوضات بينهما.. في إشارة إفريقية واضحة حول أهمية ما يجري في دولة الجنوب، وانعكاساته المباشرة على دول الجوار السوداني.

وفي الوقت الذي أعلن فيه وزير خارجية جمهورية جنوب السودان بارنايا بنجامين إرسال وفد إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، أكد (استحالة أن يتشارك كير السلطة مع مشار) وأعلن المتحدث باسم وفد نائب الرئيس المعزول يوهانيس بوك (أن المفاوضات لم تبدأ بعد ونحن مستعدون لها).

الطرفان المتنازعان اللذان توصلا إلى اتفاق هش لوقف إطلاق النار برعاية ( إيغاد) لا يتحدث عن تفاصيل سريانه، أو آليات عمله، وهذا ما أكده أيضاً وزير الخارجية الإثيوبي (3/1) بقوله: (إن الجانبان سيعقدان محادثات غير رسمية، لكن المفاوضات الرسمية لن تجري قبل أيام). واعتبرت ممثلة الأمم المتحدة هيلاري كلينتون جونسون: (إن مجرد إرسال الوفود أمر إيجابي، لكن الأهم يتلخص في المصالحة الوطنية). وأكد منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة توبي لانزر (أن كل أطراف النزاع تتحمل مسؤولية تجنيب المدنيين القتال.. ندعو إلى تسهيل عمل وكالات المساعدات الإنسانية والوصول إلى المدنيين)، ووافقه في ذلك المبعوث الأمريكي دونالد بوث.

وفي الوقت الذي أجلت فيه الولايات المتحدة غالبية العاملين في سفارتها، والتزمت إسرائيل الصمت تجاه ما يجري، فإن المصادر تشير إلى أن الحالة الجنوبية تؤكد استمرار الاقتتال، رغم المباحثات غير المباشرة عبر (إيغاد)، وأن المفاوضات ستبدأ بعد أيام، وستعكس موازين القوى نفسها على هذه المفاوضات.

نشير إلى أن وفد (المتمردين) بزعامة ريبيكا غارانغ، أرملة الزعيم التاريخي للحركة والسياسية النافذة تنحدر من قبيلة الدينكا، كبرى قبائل الجنوب، والتي ينتمي إليها كير أيضاً، ويضم أيضاً حاكم ولاية الوحدة السابق تابان غاي، ونائب الحاكم السابق لولاية جو نقلي حسين ما (لاحظ غالبية الوفد مسؤولين سابقين)، كما أن مشار نفسه ينتمي إلى قبيلة النوير التي انحازت لصالحه.

الصراع (الحزبي) – القبائلي الدائر يفرض نفسه على الاقتتال، ويعاني شعب جنوب السودان بأوضاعه الاقتصادية الصعبة من تبعاته، ويعكس نفسه على دول الجوار السوداني، في الوقت الذي تتأثر منه الدول التي شجعت على الانفصال، وتمتنع عن التدخل في هذا الاقتتال حتى تتوضح نتائجه الأولية، إلا أنه يظهر خطورة استمرار الاقتتال، وتالياً عدم إدراج مسألة تنمية السودان (شماله وجنوبه) في أوليات المهام المفترضة. إذ تكفي الإشارة إلى أن السودان قادرة على إمداد العالم بنسبة تفوق 14 بالمئة من احتياجاته الغذائية، وأن موضوع التنمية والديمقراطية والتعددية تبقى الأساس، وخاصة في الدول التي تعاني إشكاليات اجتماعية – ديمغرافية.. وأن الوضع غير الصحي الراهن يمثل امتداداً لتعطيل البرنامج التنموي الاقتصادي – الاجتماعي الذي وضع السودان في قائمة الدول – النامية جداً رغم إمكاناته الهائلة، وربما هذا أحد أسباب الصراعات الداخلية جنوباً وشمالياً، كذلك التدخلات الخارجية في شؤونه أيضاً.

العدد 1194 - 15/04/2026